تعد رسائل مشاهير الأدباء إحدى وسائل كتابة التاريخ الثقافي العام، كما أنها وثيقة إبداعية وفن مستقل بذاته، حيث تكشف عن جوانب مختلفة من شخصية الأديب وتجربته الوجدانية والاجتماعية، على نحو تصبح معه الرسالة، بمرور الزمن ورحيل أصحابها، ملكية عامة للقراء والباحثين والمؤرخين.
على هذه الخلفية، أثيرت تساؤلات متلاحقة في الأوساط الثقافية العربية، مؤخرًا، حول مصير الرسائل التي بعث بها الشاعر الأشهر نزار قباني إلى الأديبة السورية، ذائعة الصيت، كوليت خوري والتي رحلت عن دنيانا قبل أيام، بعد مسيرة إبداعية حافلة منذ صدور روايتها الشهيرة "أيام معه" العام 1959.
وبحسب شهادات باحثين ومؤرخين، فإن علاقة قوية ربطت بين كل من نزار وكوليت خوري تداخلت فيها عوامل مركبة من المشاعر العاطفية، والإعجاب الأدبي، والصداقة الشخصية، لكنها لم تتوج بالنهاية السعيدة المتوقعة، نتيجة سفر الأول إلى الصين ليعمل بالسلك الدبلوماسي، وسفر الثانية للولايات المتحدة، فكانت الرسائل وسيلة للتواصل.

تطرقت كوليت خوري في أحاديثها الصحفية إلى علاقتها بنزار كثيراً، حيث اعترفت بوجود قصة بينهما قائلة إنها "أحبته كثيراً، لكنه كان يحلم بالسفر والطموح، فتخلّت عنه لأنها أحست أنه لا يمنحها نفس المشاعر التي منحتها إياه".
ولفتت إلى أنها "سافرت وأحبت وتزوجت، وحينما انفصلت عن زوجها رسمياً، عاد إليها نزار، لكنها كانت قد فقدت شغفها به"، وفق قولها.
وبكل ثقة اعتادت أن تردد: " نزار شاعر المرأة، أما أنا فكنت المرأة الوحيدة التي أحبها". وحين سُئلت عن القصيدة التي تفضلها لنزار قالت إنه نص عفوي بريء يؤكد على الطفل داخله والتي يقول فيها:
وكشفت عن مفاجأة تتمثل في أنها لم تقرأ رسائل نزار قباني إليها إلا بعد موته بسبب انشغالها في السابق بالسفر، والزواج، والمناصب الرسمية.
وبعد رحيله فتحت الخطابات، ووجدت الحب "يرفرف داخلها كعصفور"،27 خطاباً كتبها لها ولو كانت قرأت هذه الخطابات في نفس توقيت إرسالها قديماً لكانت عادت إليه، على حد تعبيرها.
وحول رسائلها هي نفسها إلى نزار قباني، أوضحت أنها تمكنت من استعادة 13 رسالة عن طريق "هدباء"، ابنة نزار، أما بقية رسائلها فلا تعرف عنها شيئاً.
ويكشف الباحث والناقد السوري الدكتور محمد عثمان الخليل، الحاصل على درجة الدكتوراة في "دراسات الشرق الأوسط" من جامعة أريزونا الأمريكية، ودرجة الأستاذية من جامعة نيويورك ، صفحات مشوقة من تاريخ العلاقة بين كوليت خوري ونزار قباني، حين التقى الأولى بمنزلها، واحتسى معها القهوة، وأجرى معها حواراً مطولاً اختلط فيه الخاص بالعام.
ويؤكد الخليل، عبر صفحته على موقع "فيسبوك"، أنه لم يعد عنده شك حينها أنها أحبته، ولكن أيضاً لم يعد عنده شك في أنها قاومته.
يقول: "نعم، في الحقيقة، هي قاومته، وبكل ما أوتيت من قوة، كانت تتحدث من ذلك المنطق، منطق المرأة التي قالت (لا) لرجل بالغ السطوة".
ويشدد، في منشور مطول حصد تفاعلاً لافتاً، على أن نزار كتب لها قصيدة " أكبر من كل الكلمات" من ديوان "حبيبتي" المخصص لها بالكامل والذي جاء فيه:
ويلفت الخليل إلى أن كوليت لم تكن تريد حباً من هذا النوع، لم ترضَ أن تكون مجرد واحدة من "الحلوات"، كانت في الـ23 من العمر عندما التقت نزار، فتاة في أوج جمالها، وفي بداية مشوارها الأدبي بعد نشرها قصائد بالفرنسية، فيما كان نزار في الـ35 بأوج مجده الشعري.
ويجزم الخليل أن نزار لم يكن قد قابل امرأة عربية مثلها من قبل، حسناء، متعلمة، ومثقفة تحمل كل صفات التفتح التي كان يدعو لها، لكنه باعتباره القاطن الأبدي في عالم الأفكار، لم يعرف كيف يتصرف مع تلك الفتاة الدمشقية القوية التي كانت تتعامل معه بندية، ورفضت أن تكون مجرد مصدر إلهام عابر في حياته.
ويرى أن كوليت أعطت نزار كل شيء، لكن طالبته بالولاء والحصرية، أرادت حباً حصرياً دون قيود أو مساومات، كان هذا هو هاجسها الذي طالبته به، كان عندها شك أنه لا يحبها لذاتها وإنما يحبها كفكرة، وأنها مرحلة وستنقضي، ولم تفد تطميناته الشعرية الموجهة إليها: