يمزج المسلسل المغربي "سوق أتاي" بين التشويق والإثارة من جانب وبين قضايا الهوية والأصالة من جانب آخر، في حبكة درامية تستند إلى عبق التاريخ وسحر التراث، عبر لوحة فنية تتسم بثراء التفاصيل الاجتماعية والثقافية التي تميز المجتمع في حقب زمنية سابقة.
وتدور أحداث المسلسل، الذي أخرجه يونس الركاب، في فضاء "سوق أتاي" الذي يتجاوز كونه مجرد مكان للتبادل التجاري، ليصبح فضاء حيويا تتلاقى فيه المصائر وتتشابك فيه العلاقات الإنسانية من حب وخيانة، وطموح وصراع على السلطة والنفوذ.
ويقوم البناء الفني للعمل حول معارك عائلية وقبلية تدور رحاها في قلب السوق الشهير، حيث يتصارع كبار التجار على الهيمنة وبسط النفوذ، بينما يحاول الشباب شق طريقهم وسط غابة من الدسائس والمؤامرات.
تبدأ الأحداث من نقطة ساخنة حول رجل أعمال عصامي يلّقب بـ"الحاج"، بنى اسمه وثروته بعد معارك شرسة مع المنافسين، حيث يدعو جميع أفراد أسرته إلى عشاء عائلي ويفجر مفاجأة وهي عودة ابنته "منة" إلى البيت وتكليفها بمساعدته في إدارة الشركة ومخازن الشاي.
يأتي القرار مخالفا لكل التوقعات على نحو يربك خطط أطراف أخرى داخل وخارج البيت، ما يفجر سلسلة من الصراعات المستقبلية، ولا سيما في ظل وجود سرقة واختلاس في ثروة "الحاج".
يُبرز المسلسل كيف يتحول، "أتاي"، من مجرد مشروب شعبي إلى رمز للمكانة الاجتماعية وأداة للتفاوض والصلح، وأحياناً وسيلة للتفريق، مسلطاً الضوء على الطقوس المصاحبة لتحضيره والتي تعكس الهوية المغربية الأصيلة بكل تجلياتها الجمالية والتراثية.
وعبر معالجة غير مباشرة تميزت بالطرح الهادىء، يتطرق المسلسل إلى قضايا عامة تهم الإنسان في كل عصر وزمان مثل العدالة، والظلم الاجتماعي، ودور المرأة في تدبير الشأن الأسري والتجاري رغم القيود المحيطة بها، ما يمنح العمل عمقاً فلسفياً يلامس وجدان المشاهدين.
ويكمن تميز "سوق أتاي" في قدرته على تحقيق معادلة صعبة تجمع بين المضمون الاجتماعي الهادف وبين الترفيه عبر إيقاع سريع وأحداث متصاعدة تعتمد على عنصر المفاجأة والتحولات غير المتوقعة في الأحداث، بعيداً عن الرتابة أو التكرار.
كما جاء الاهتمام بالتفاصيل "السينوغرافية"، من إضاءة وديكور وأزياء وزوايا تصوير، ليمنح العمل بعدا جماليا بصريا لافتا جعل من كل مشهد بمثابة لوحة تشكيلية تنبض بالحياة، ما وضعه في مصافّ الأعمال الدرامية التي تؤرخ للذاكرة الجماعية.