يُعدّ مسلسل رأس الأفعى أحد أبرز الأعمال اللافتة في موسم دراما رمضان 2026 في نسخته المصرية، إذ يتسم بحبكة درامية تجمع بين التشويق والإثارة، فضلًا عن البعد التوثيقي الذي يؤرخ لمرحلة ما بعد ثورة 30 يونيو 2013 في مصر، التي أطاحت بحكم جماعة الإخوان.
ويستند العمل إلى معالجة درامية مستوحاة من وقائع حقيقية، واضعًا المشاهد في قلب المواجهة الأمنية التي أعقبت تلك المرحلة، بكل ما حملته من توترات سياسية وأحداث عنف ومحاولات لإعادة ترتيب المشهد الداخلي.
العمل مستوحى من ملفات جهاز الأمن الوطني، وتدور أحداثه حول جهود تعقب قيادات الجماعة، وبشكل خاص محمود عزت، الذي يجسد دوره الفنان شريف منير، والملقب داخل السياق الدرامي بـ“رأس الأفعى” أو “ثعلب التنظيم”، في إشارة إلى دوره القيادي المؤثر داخل الهيكل التنظيمي، وما نُسب إليه من إدارة الجناح المسلح والإشراف على شبكات التمويل.
تبدأ الأحداث بكشف مخططات سرية يُقال إن التنظيم أدارها لنشر الفوضى وتنفيذ عمليات استهدفت منشآت حيوية، مثل محاولات تفجير محطات المترو وبعض المرافق السيادية، مع تصاعد الإيقاع الدرامي تدريجيًا نحو إبراز دور الضابط مراد عز الدين، الذي يؤدي شخصيته الفنان أمير كرارة، في ملاحقة العناصر الإخوانية وتفكيك ما يُعرف بـ“الخلايا النائمة” و“الذئاب المنفردة”، ضمن إطار أمني مشوّق يعتمد على المطاردات وكشف الخيوط المعقدة.
حظي الفنان شريف منير بإشادات واسعة عن أدائه في المسلسل، فقد قدّم معالجة تمثيلية لشخصية قيادية تتسم بالصرامة والدهاء والقدرة على التخفي والعمل في الظل. وحرص صناع العمل على إضفاء قدر كبير من الواقعية على الشخصية، سواء من خلال المكياج أو الملابس أو الأداء الجسدي، بما يجعلها قريبة الشبه من الشخصية الحقيقية لمحمود عزت.
كما عكس الأداء طبيعة العقلية التي يطرحها العمل بوصفها تخطط بصبر طويل وتُغلف خطابها بشعارات كبرى لإقناع الأنصار.
وأشاد الكاتب والطبيب المصري خالد منتصر بأداء شريف منير، مشيرًا إلى أن الأخير تخلى عن صورته المعتادة ليقدّم شخصية درامية مختلفة من حيث المظهر واللغة الجسدية، مع توظيف لافت لنظرات العينين وتعابير الوجه.
واعتبر أن الدور يمثل محطة مهمة في مسيرة منير الفنية، لما تطلّبه من جهد في إعادة تشكيل الشخصية نفسيًا وجسديًا.
وزادت مشاهد افتتاح الحلقات من جرعة التشويق، إذ تُعرض في قالب بالأبيض والأسود، مستدعية فصولًا من السيرة الذاتية لمحمود عزت خلال ستينيات القرن الماضي، حين كان طالبًا جامعيًا وانخرط في النشاط التنظيمي، وهو ما يضفي على العمل بعدًا تاريخيًا يربط الماضي بالحاضر داخل السياق الدرامي.
بالتزامن مع تصدر المسلسل نسب المشاهدة في مصر، شهدت منصات محسوبة على جماعة الإخوان حالة من الجدل والانتقاد، مع اتهامات بأن العمل يقدّم رواية أحادية للأحداث ويبتعد عن “السردية الحقيقية”، على حد وصف تلك المنصات.
في المقابل، يرى باحثون ومحللون أن الجدل يعكس حساسية الطرح الذي يتناول مرحلة لا تزال تداعياتها حاضرة في المشهد السياسي والإعلامي.
ويرى الباحث والمحلل السياسي ماهر فرغلي أن ردود الفعل الغاضبة تعود إلى أن العمل، بحسب تقديره، يسلّط الضوء على ما يصفه بالتناقض بين خطاب “السلمية” الذي تروّجه الجماعة وبين الاتهامات المرتبطة بالعنف خلال تلك المرحلة.
وأضاف، في تصريحات صحفية، أن المسلسل يحمل رسالة توعوية وتوثيقية في آن واحد، موجهة للرأي العام، لا سيما الأجيال الشابة، في ظل محاولات استقطاب عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، وهو ما اعتبره أحد أسباب حدة الجدل الدائر حول العمل.
وُلد محمود عزت في القاهرة عام 1944، ويُعد من أبرز القيادات التاريخية داخل جماعة الإخوان. تخرج في كلية الطب بجامعة عين شمس، انضم إلى التنظيم في وقت مبكر من حياته، وتأثر بأفكار منظر الجماعة سيد قطب، وهو ما جعله يُصنّف ضمن التيار المتشدد داخل الجماعة.
تدرج عزت في المناصب القيادية حتى أصبح عضوًا في مكتب الإرشاد، وبعد توقيف المرشد العام محمد بديع في أغسطس/ آب 2013، أُعلن توليه مهام القائم بأعمال المرشد.
وظل متواريًا عن الأنظار لسنوات، في وقت اعتبرته السلطات المصرية العقل المدبر لتحركات الجماعة وإدارة شبكاتها المالية.
وفي 28 أغسطس/ آب 2020، أعلنت الأجهزة الأمنية في مصر القبض عليه داخل شقة سكنية بمنطقة التجمع الخامس بالقاهرة، قبل أن يُحاكم في عدة قضايا من بينها “اقتحام الحدود الشرقية” و“التخابر مع منظمات أجنبية” و“أحداث مكتب الإرشاد”، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، لتطوى بذلك صفحة طويلة من العمل السري داخل التنظيم، وفق الرواية الرسمية.