أثار فيلم "الملحد" موجة واسعة من الجدل بمجرد طرحه في قاعات السينما قبل أيام بسبب موضوعه الجريء، فضلا عن منعه من العرض لمدة عام كامل ثم التصريح بإجازته بحكم قضائي.
وفي منشور مطول على صفحته بموقع "فيسبوك"، قام أستاذ الطب النفسي المصري البارز، الدكتور محمد المهدي، بتحليل العمل من الناحية النفسية، إذ أشاد بعدة نقاط وانتقد أخرى، ضمن رؤية علمية مختلفة وموضوعية لفتت الانتباه وأثارت تفاعلا.
ويشير الدكتور المهدي "حين شاهدت الفيلم رأيت أنه في بنيته العميقة، لا يبدأ من تساؤلات إيمانية كبرى، بقدر ما يبدأ من سؤال أكثر إيلامًا هو: أين العدل وأين الرحمة، وهنا يكمن المدخل النفسي الحقيقي لفهم العمل".
ويضيف أنه "من منظور علم النفس الإكلينيكي، لا يظهر الإلحاد في الفيلم كاختيار معرفي حر نابع من دراسة فلسفية أو جدل عقلي ناضج، بل كآلية دفاع نفسية في مواجهة جُرح داخلي لم يتم احتواؤه وصدمات لم يتم التعافي منها، تتعلق بعجز البطل عن التوفيق بين ما يُقال له عن القيم، وما يراه من ممارسات متناقضة على أرض الواقع".
ويشير إلى أنه "من أحد المفاتيح النفسية العميقة في الفيلم، الصراع غير المعلن مع صورة الأب، سواء كان (الأب البيولوجي) وقد ظهر في صورة شخص مستبد برأيه ومتسلط وجاف المشاعر، أو (الأب الرمزي) المتمثل في المؤسسة المتسلطة أو الخطاب الديني المتطرف".
وعلى هذه الخلفية، يبدو الإلحاد شكلا من أشكال الاحتجاج النفسي ومحاولة لاستعادة السيطرة والاستقلال، لا موقفًا نهائيًا مستقرًا، كما أن مواجهة الملحد بالإدانة أو القسوة في هذه الحالة العابرة تجعله يتمسك بهذا الخيار كأمان وجودي ضد القهر والسيطرة الأبوية أو السلطوية، على حد أستاذ الطب النفسي.
إيجابيات وسلبيات
ينتقد الدكتور المهدي الفيلم كونه "يلتقط هذه المرحلة بدقة، لكنه يتركها معلقة، من دون أن يقدم مسارا ناضجا لاحقا، سواء نحو إيمان واعٍ ناضج، أو حيرة متزنة، أو حتى معالجة نفسية حقيقية تعيد بناء العلاقة المفقودة مع المعنى".
ويرى أنه "يُحسب للفيلم جرأته في تقديم شخصية الملحد بوصفها شخصية إنسانية غير شيطانية، لا تُختزل في صورة الشر أو الانحلال الأخلاقي، فهو طبيب محترم وملتزم مهنيا ولا يرتكب انحرافات سلوكية".
في المقابل، يعيب على صنّاع العمل "ترك المتفرج في فراغ معنوي، من دون أفق إنساني أو علاجي واضح وكأن الرسالة غير المقصودة هي أن التيه قدر محتوم لا مخرج منه".
وحول نهاية الفيلم، يؤكد أن "الصراع بين البطل وأبيه سقط كليا حين مات الأخير ولم يعد الإلحاد كآلية للدفاع النفسي مطلوبا، ولذا جاءت نهاية الفيلم لتجسد تحوّل الملحد بتشجيع من عمه ليؤم صلاة الجنازة على والده ليظهر بوضوح أن إلحاده لم يكن قضية عقائدية بقدر ما هو أزمة نفسية عاشها مع نموذج الأب المرفوض" .
الخلاصة
يخلص الدكتور المهدي في النهاية إلى أنه "يمكن القول إن فيلم الملحد ليس ضد الدين، بقدر ما هو فيلم عن أسئلة تُركت بلا إجابة رحيمة، وهو ما يستدعي الفهم، والحوار وإعادة بناء الثقة بين الإنسان والقيم التي تمنحه الطمأنينة".
يُذكر أن فيلم الملحد تأليف إبراهيم عيسى، إخراج محمد العدل، بطولة أحمد حاتم، ومحمود حميدة، وصابرين، وحسين فهمي، وشيرين رضا.