تُطلّ عادة القرقيعان كل عام كواحدة من أكثر الطقوس الرمضانية بهجةً في عدد من دول الخليج العربي، حيث تتحول الأحياء السكنية بعد الإفطار إلى مساحات نابضة بالألوان والأهازيج، ويخرج الأطفال بملابسهم التراثية حاملين أكياسهم الصغيرة لجمع الحلوى والمكسرات في مشهد يعكس عمق الموروث الشعبي في المنطقة.
وتُعرف هذه العادة بأسماء متقاربة تختلف من دولة إلى أخرى، لكنها تتفق في جوهرها القائم على إدخال الفرح إلى قلوب الصغار وتعزيز الروابط الاجتماعية بين الأهالي.
ففي منتصف رمضان تحديدًا، تتزين الشوارع وتعلو أصوات الأطفال وهم يرددون أناشيد شعبية توارثتها الأجيال، بينما يستعد السكان لاستقبالهم بما تيسر من حلويات وهدايا.
في الكويت، يُعد القرقيعان مناسبة اجتماعية راسخة، حيث يرتدي الأطفال أزياء تقليدية ويجوبون المنازل مرددين أهازيج خاصة بالمناسبة، فيما يحرص الكبار على المشاركة في الأجواء الاحتفالية التي تحمل طابعًا عائليًا واضحًا.

المشهد ذاته يتكرر في البحرين، حيث تُعتبر المناسبة جزءًا من الهوية الثقافية، وتُقام فعاليات شعبية وأسواق موسمية تعزز حضور هذا التقليد في الذاكرة الجمعية.
أما في السعودية، فتتنوع مظاهر الاحتفال من منطقة إلى أخرى، مع حفاظها على العناصر الأساسية للعادات التراثية، بينما تحافظ قطر على طابع احتفالي لافت، يمتد من الأحياء السكنية إلى الفعاليات الثقافية التي تستعيد أجواء الماضي.
وفي الإمارات، تتجسد العادة في احتفال يُعرف أيضًا باسم "حق الليلة"، حيث تتداخل الرمزية الاجتماعية مع الطابع التراثي، وتتحول المناسبة إلى حدث ينتظره الأطفال بشغف كل عام.
ويرى باحثون في التراث الشعبي أن القرقيعان يتجاوز كونه مناسبة للأطفال، إذ يمثل أداة اجتماعية لترسيخ قيم المشاركة والتواصل، ويعيد إحياء مفاهيم الجيرة والتكافل في المجتمعات الخليجية.
كما يعكس استمرار هذه العادة قدرة الموروث الثقافي على التكيف مع العصر، رغم تغير أنماط الحياة وتسارع الإيقاع الاجتماعي.
وبينما تتغير مظاهر الاحتفال مع مرور الزمن، يبقى القرقيعان طقسًا رمضانيًا يحتفظ بروحه الأصيلة، ويؤكد أن الفرح في الشهر الفضيل لا يقتصر على العبادة فحسب، بل يمتد ليشمل تفاصيل اجتماعية وثقافية تعزز هوية المجتمعات وتماسكها.