أصدر الكاتب الجزائري رفيق موهوب روايته الثالثة بعنوان "اللوكو"، لترسخ ملامح مشروعه الأدبي المختلف الذي يمزج بين التاريخ والخيال.
ويستعرض موهوب في هذا النص وجه الجزائر العثماني، في فترة كانت معظم دول العالم العربي تخضع شكليا للخلافة العثمانية، معتمدة على درجة متفاوتة من الاستقلال الذاتي.
ومن خلال روايته، يعيد الكاتب رسم ملامح التاريخ الجزائري، مستحضرا السياقات الاجتماعية والسياسية لتلك الحقبة، ليقدم رؤية جديدة تجمع بين السرد الروائي والتحليل التاريخي.
وتكشف الرواية الصادرة عن دار "فهرنهايت" عن ولع المؤلف باستقصاء الماضي والتفتيش في دفاتره القديمة بحثا عمّا هو مثير وملهم، لكنه يتضمن دروسا وعبر ويحمل رسائل تعين على فهم الحاضر والتطلع بثقة نحو المستقبل.
ومن المعروف نقديا أن تناول التاريخ كمادة روائية هو مهمة ليس باليسيرة وإنما محفوفة المخاطر، فقد ينحاز الكاتب لهذا الطرف على حساب ذاك، بمعنى أن يزيف الحقائق بسبب هوى شخصي أو معتقد خاص.
لكن رفيق موهوب يثبت مجددا براعته في عمل توازن دقيق بين سلاسة وتشويق السرد من جهة وبين الموضوعية والأمانة من جهة أخرى.
يلتقط موهوب في "اللوكو" واحدة من مفارقات التاريخ الجزائري الحديث وهي شخصية أحد حكام البلاد الذي اعتلى قمة السلطة في فترة وجيزة للغاية، لكنها كانت كافية لكي تترك بصمة لا تمحوها الأيام من حيث النهضة والازدهار، فضلا عن القسوة في تصفية المعارضين وغرابة الأطوار والطباع على المستوى الشخصي.
إنه الداي "علي خوجة" الذي حكم الجزائر، بحسب المصادر التاريخية، ما بين عامي 1817 و1818، واستطاع تحييد نفوذ الأتراك في البلاد، وإقامة نظام مالي متطور، وأشرك الجزائريين في الحكم، وقضى على الفساد الأخلاقي بصرامة، مدفوعا برغبة حماسية وإرادة واضحة في تغيير الواقع جذريا وفي وقت قصير.
ولأن الرواية ليست بحثا تاريخيا جافا بنهاية المطاف أو تقريرا يعج بالأرقام والتواريخ، يركز رفيق موهوب على الدراما الإنسانية وتفاعلات الشخصية الرئيسية وحركة المد والجزر على شواطىء الانفعالات والعواطف، فيبحث عن الإنسان وراء الحاكم وروح الجزائر العصية على النسيان وراء الحكاية المشوقة.
يتميز رفيق موهوب بقدرة لافتة على اختيار عناوين شائقة لأعماله الأدبية تثير الفضول والتساؤل وتبتعد عن التقليدي والمألوف، وهو ما ينطبق على "اللوكو" الذي يعني بالإسبانية "المجنون" بعد أن رأى سفراء وقناصل الدول الأجنبية تصرفات مذهلة من بطل الرواية، تتنافى برأيهم مع العقلانية، مثل تصفيته لـ1500 من معارضيه في يوم واحد.
وسبق أن صدر لرفيق موهوب رواية "الهراب" التي تستلهم إحدى أكثر مراحل التاريخ الجزائري الحديث إثارة للجدل والأسى وهي "العشرية السوداء"، التي شهدت في حقبة التسعينيات مشاهد دموية مؤسفة مغلفة بحالة من التطرف وضيق الأفق، على نحو أدخل البلاد الجميلة ذات العمق الحضاري في نفق مظلم.
بدا "داوود" اليهودي، الشخصية الرئيسة في "الهراب"، مثقلًا بالماضي الذي عاصرته عائلته منذ حقبة الاستعمار الفرنسي، وما شهده من توالي الفصول الذهبية في ملحمة المليون شهيد، وصولًا إلى "العشرية السوداء" بفضاءاتها الكابوسية، على المستويين الشخصي والعام.
أما رواية موهوب الأولى، فتحمل عنوان "منام ميت" وتتناول إحدى أكثر المفارقات غرابة ودراماتيكية في تاريخ الجزائر المعاصر، حين تحول شخص يعمل مغسلًا للموتى إلى حاكم البلاد بين ليلة وضحاها إبان الحقبة العثمانية في القرن الـ19 وقبيل الاحتلال الفرنسي.
وتؤكد الروايات الثلاث أننا إزاء تجربة إبداعية لافتة تقوم على إعادة قراءة التاريخ في قالب درامي شائق، مستندة إلى حرفية عالية في السرد، فضلًا عن امتلاك أدوات البحث المنهجي للمؤلف الذي كانت الدراسات التاريخية مجال تخصصه الأكاديمي بالجامعة.