logo
منوعات

"تقطير الزهر".. شجرة النارنج تدر ذهبًا أبيض على أهالي نابل التونسية

أمام مدخل منزلها، تنحني جميلة على وعاء كبير الحجم من معدن النحاس يسمى "القَطَّار"، ثم تشرع في تنظيفه بيديها، ولا تلبث أن تضعه تحت أشعة الشمس بمدينة نابل، شمال شرقي تونس، حتى تبدأ في غسل أنبوب معدني طويل وتنظيف عدد من الأوعية المصنوعة من النحاس أو الخزف وعدد كبير من القوارير البلورية.

في مثل هذا الأسبوع من كل عام، وفي أواخر شهر فبراير/ شباط، تبدأ جميلة، وهي ربة بيت، في الاستعداد لموسم جني زهر النارنج وتقطيره، كعادة أصيلة وتقليد عريق توارثته العائلات في محافظة نابل منذ عقود طويلة قبل أن يتحول بمرور السنين إلى نشاط اقتصادي يغلب عليه الطابع التقليدي، لكنه يوفر دخلا جيدا للكثيرين في تلك المدينة الساحلية المعروفة أيضا بإنتاج القوارص والحمضيات.

وقبل انطلاق موسم جني زهر النارنج، والذي يبدأ في أوائل شهر مارس وينتهي منتصف شهر أبريل/نيسان من كل عام، تعيش محافظة نابل وكل المدن المجاورة لها ما يمكن اعتباره مهرجانا يختزل جوانب تاريخية مهمة من تراث هذه المدينة ومقوماتها الحضارية.

وتقول جميلة، التي تجاوزت الستين من العمر، إنها ورثت عادة تقطير الزهر عن والدتها منذ 25 عاما أو يزيد، وتستعد لتلك العادة باهتمام بالغ حيث تتولى تنظيف أواني التقطير وتجهيز الفاشكات ( قارورة بلورية ذات شكل لولبي يتم داخلها حفظ ماء الزهر بعد الانتهاء من عملية التقطير).





وتقول لـ"إرم نيوز": "عادةُ تقطير الزهر تقليد حميد، لم تعد مجرد عادة منزلية بل تحولت لنشاط قائم الذات تستعد له أغلب الأسر في المدينة، فلا يوجد منزل في نابل وضواحيها لا تتصدره شجرات النارنج التي تدر علينا الخير والبركة".

وتنهمك المرأة في تصفيف بعض الأوعية النحاسية التي تستعمل عادةً في التقطير، ثم لا تلبث أن تمر تحت شجرات النارنج الأربع التي تم غرسها بحسب قولها، منذ عشرات السنين من قبل والد زوجها وتنظر بين أغصانها، كما لو أنها تتطلع إلى أوان قطف الزهور البيضاء وانطلاق عملية التقطير والتي ينتظر أن تبدأ بعد أسبوع بحسب قولها.

وبخصوص طريقة تقطير زهر النارنج، توضح أن "البداية تكون بجني الزهر، من شجرات النارنج، وهي واحدة من أشجار القوارص العريقة، التي تنتج زهورا فواحة يتم تقطيرها واستخراج زيوتها للحصول على أغلى العطور وأجودها".

وأضافت أن "عملية التقطير طويلة ودقيقة، حيث تبدأ بتجفيف الزهر كي يفرز المادة الزيتية ثم توضع كمية من الزهر (4 كيلوغرامات في العادة ) في وعاء نحاسي يسمى (القطّار)، يضاف إليها الماء (10 لترات) وتترك على نار مرتفعة حتى تتبخر تلك المياه من خلال أنبوب يربط القطّار بوعاء آخر من الفخار قبل أن تبدأ قطرات ماء الزهر في النزول داخل الإناء المخصص لها أما المرحلة الاخيرة فهي حفظ ماء الزهر في القارورة البلورية".

وبدوره، قال رئيس جمعية صيانة مدينة نابل، أحمد بوحنك، لـ"إرم نيوز"، إن "زهر النارنج كان ولا يزال تقليدا أصيلا ومن العادات التاريخية والحضارية في المحافظة برمتها".





وأضاف "تنتج محافظة نابل كميات كبيرة غالبا ما يتم تحويل أغلبها إلى المصانع لاستخراج ماء الزهر، أوزيت النيرولي، وهو زيت ثمين جدا يستعمل في إنتاج العطر ويتم تصديره إلى فرنسا، وتحديدا لأكبر المصانع وماركات العطور العالمية مثل شانيل".

وتابع أن "عملية إنتاج وتقطير الزهر في نابل ولفرط عراقتها باعتبار أنها تعود إلى عشرات السنين فقد أقيم لها مهرجان سنوي وهو مهرجان زهر النارنج الذي تشارك جمعية صيانة مدينة نابل في فعالياته وستقام دورة العام الحالي أيام الـ24 والـ25 والـ26 والـ27 من مارس/ آذار المقبل".

وتاريخيًّا، تكشف بعض المصادر أن شجرة النارنج وصلت إلى نابل من بلاد الأندلس، حيث كانت في العصور الوسطى تزين منازل الأندلسيين كما أصبحت الآن تتصدر جل البيوت في مدينة نابل وبعض المدن المجاورة لها مثل بني خيار والمعمورة ودار شعبان وبني خلاد وتازركة ومنزل بوزلفة وغيرها.

وتنتج شجرة النارنج ثمارًا شبيهة بالبرتقال وزهورًا بيضاء يتم تحويلها إلى ماء الزهر، الذي يعتبره الكثيرون بمثابة "الذهب الأبيض" لما يوفره من بالإضافة إلى زيوت "روح الزهر" الثمينة وتسمى النيرولي والذي يتم تصديره إلى الخارج حيث يستعمل في إنتاج أرقى أنواع العطور.





كما يعد ماء الزهر مكونًا يدخل في عديد الأكلات في المطبخ التونسي لتعطير الأكلات التقليدية أو المرطبات، فيما تتم إضافته أحيانًا للقهوة لتحسين مذاقها ويستعمل أيضًا للتداوي من عدة أمراض او لتسكين آلام المعدة إلى جانب استعماله لأغراض خاصة بالتجميل والعناية بالبشرة.

وتقول مصادر من وزارة الزراعة التونسية لـ"إرم نيوز"، إن مساحات أشجار النارنج في نابل تناهز 500 هكتار وهي تنتج ما يقارب 1800 طن من الزهر سنويًّا، علمًا أن إنتاج الزهر في عام 2021 بلغ 2350 طنًّا بحسب المصادر ذاتها.

ويتم تقطير الزهر عادةً بالطريقة التقليدية القديمة داخل المنازل، بنسبة تقل عن نصف كميات الإنتاج، أما البقية والتي تساوي 60% من الكميات المنتجة فيتم تقطيرها بالطريقة العصرية، أي في مصانع متخصصة والتي يبلغ عددها 6 وحدات موجودة في محافظة نابل ومدينة دار شعبان المتاخمة لها.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC