بعد قرابة قرن من اختفائها، لا يزال الغموض يحيط بحادثة اختفاء كاتبة الروايات البوليسية الشهيرة أغاثا كريستي، التي ما زالت تثير فضول القرّاء والمؤرخين حتى اليوم. ففي 3 ديسمبر عام 1926، وبعد وقت قصير من نشر روايتها السادسة "جريمة قتل روجر أكرويد"، اختفت كريستي بشكل مفاجئ، لتصبح قضيتها واحدة من أشهر حالات الاختفاء في التاريخ الأدبي.
قصة الاختفاء
وفقا لصحيفة "بيبول"، كانت كريستي تبلغ من العمر 36 عامًا آنذاك، وكانت تمر بظروف شخصية قاسية؛ إذ توفيت والدتها في وقت سابق من العام نفسه، كما طلب زوجها، الكولونيل أرشيبالد “آرتشي” كريستي، الطلاق بعدما دخل في علاقة عاطفية مع امرأة أصغر سنًا تُدعى نانسي نيل. وبعد شجار بين الزوجين، قبّلت أغاثا ابنتها روزاليند، البالغة من العمر سبع سنوات، قبل نومها، ثم حزمت حقيبة صغيرة وغادرت منزلها في مقاطعة بيركشير ليلًا، من دون أن يراها أحد بعد ذلك.
وفي صباح اليوم التالي، عُثر على سيارتها مهجورة قرب محجر طباشيري في مقاطعة سَري، وكانت عجلاتها الأمامية معلّقة على حافة المحجر. كما وُجدت بعض متعلقاتها الشخصية في المكان، من بينها ملابس وزجاجة وُصفت بأنها تحتوي على مادة سامة، ما أثار مخاوف واسعة من احتمال انتحارها. وعلى إثر ذلك، أُطلقت عملية بحث ضخمة شارك فيها مئات من رجال الشرطة، وآلاف المتطوعين، وكلاب مدرّبة، وسط تغطية إعلامية عالمية مكثفة. وحتى الكاتب الشهير آرثر كونان دويل استعان بوسيط روحي للمساعدة على حل اللغز.
تعددت التكهنات حول مصيرها، فتراوحت النظريات بين الانتحار، أو تعرّضها للقتل، أو اختفائها المتعمد متنكرة بهوية أخرى. واشتبه البعض بزوجها آرتشي، إلا أنه امتلك حجة غياب وتم استبعاده لاحقًا. وبعد 11 يومًا من الغياب، ظهرت أغاثا كريستي حيّة في 15 ديسمبر داخل فندق صحي في يوركشير، على بُعد أكثر من 200 ميل من منزلها، وكانت قد سجلت دخولها باسم مستعار هو “تيريزا نيل”، وهو اللقب نفسه لعشيقة زوجها.
وأفادت كريستي وزوجها والأطباء آنذاك بأنها كانت تعاني فقدان الذاكرة، وهي حالة وصفها لاحقًا بعض كُتّاب سيرتها بأنها "شرود نفسي" ناتج عن ضغط عاطفي شديد. ورغم أنها اعترفت لاحقًا بأنها كانت في حالة نفسية سيئة للغاية، فإنها نفت محاولة الانتحار.
"بداية انهيار عصبي"
نادراً ما تحدثت كريستي عن الواقعة بعد ذلك. وفي سيرتها الذاتية، وصفت تلك الفترة بأنها بداية انهيار عصبي، من دون الخوض في التفاصيل. ورغم أن الحادثة لا تطابق حبكة أية رواية بعينها، فإن عناصرها من فقدان الذاكرة والخداع وتعدد الهويات تشبه كثيرًا الثيمات التي اشتهرت بها أعمالها الأدبية.
وقد ألهم هذا الاختفاء الغامض العديد من الأفلام والمسلسلات والروايات، ليظل واحدًا من أكثر الألغاز الواقعية ارتباطًا بـ"ملكة الجريمة" في تاريخ الأدب.