تشهد الاقتصادات الكبرى في العالم تحولاً واسع النطاق نحو الاعتماد على الإنفاق الحكومي الممول بالعجز لتعزيز النمو الاقتصادي وسط سلسلة من الصدمات التي أدت إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي وتشجيع الطلب على التدخل الحكومي.
من أوروبا إلى الولايات المتحدة وآسيا، تتجه الحكومات لإلغاء خطط الادخار وإطلاق حزم تحفيزية ضخمة بهدف دعم النمو وخلق فرص العمل على المدى القريب، إذ تشير تقديرات بنك جيه بي مورغان إلى أن هذه الحزم قد تدفع النمو العالمي إلى نحو ثلاثة في المئة خلال الأشهر الستة المقبلة.
ومع ذلك، يحذر اقتصاديون من أن هذا الاتجاه محفوف بالمخاطر خصوصًا في ظل انخفاض معدلات البطالة وارتفاع أسعار الفائدة وضعف الطلب الخاص وضعف نمو الإنتاجية في الاقتصادات المتقدمة، بينما تظل أوروبا معرضة لمزيد من التحديات نتيجة ضعف مصادر النمو خارج نطاق الإنفاق الحكومي.
في اليابان أعلنت رئيسة الوزراء سناء تاكايتشي عن حزمة تحفيزية بقيمة 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي بهدف تخفيف تكاليف المعيشة وتشجيع الاستثمارات وتعزيز الإنفاق العسكري قبل الانتخابات المبكرة، مما دفع عوائد سندات الدين الحكومية طويلة الأجل إلى مستويات قياسية وانتقلت آثارها إلى الأسواق العالمية.
وفي الولايات المتحدة من المتوقع أن يعزز التحفيز المالي النمو بنسبة نحو نقطة مئوية واحدة هذا العام، مع استمرار العجز المتوقع في الميزانية البالغ ستة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة الإنفاق على الضمان الاجتماعي وخفض الضرائب، بينما تهدف حزم الإنفاق الألمانية الضخمة على الدفاع والبنية التحتية إلى تعزيز النمو رغم مستويات الضرائب المرتفعة.
ومع ذلك تبقى ألمانيا الاستثناء فيما يتعلق بمستوى الدين العام المنخفض نسبيًا مقارنة بالدول الأخرى. وفي كندا خصص البرلمان نحو 140 مليار دولار كندي للإنفاق على مدى خمس سنوات لدعم البنية التحتية وتعزيز الصادرات.
أما في الصين فمن المتوقع أن يسجل العجز في الميزانية نحو تسعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للعام الثاني على التوالي لدعم الاقتصاد في مواجهة الرسوم الجمركية الأمريكية والتحولات التكنولوجية.
مع توسع الدين العام العالمي المتوقع أن يتجاوز مئة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، فإن التحديات أمام الحكومات تتزايد، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف خدمة الدين نتيجة رفع البنوك المركزية لأسعار الفائدة.
فقد تضاعفت مدفوعات الفائدة على الدين الأمريكي خلال السنوات الأربع الماضية، كما تضاعفت تقريبًا في ألمانيا واليابان، ما يسلط الضوء على هشاشة قدرة الحكومات على تمويل الإنفاق المستمر.
ويرى بعض الاقتصاديين أن فقدان ثقة المستثمرين أو إعادة النظر في الفوائد الاقتصادية للاستثمارات الكبرى مثل الذكاء الاصطناعي قد يشكل الشرارة التي تؤدي إلى أزمات مالية، بينما يؤكد آخرون أن الاقتصادات المتقدمة تتمتع بموارد كافية لتجاوز هذه المخاطر على المدى القصير.
إلا أن تراكم العجز والديون يجعل المستقبل محفوفًا بعدم اليقين ويضع الحكومات أمام خيارات صعبة بين رفع الضرائب أو خفض الإنفاق أو مواجهة ضغوط الأسواق المالية، وهو ما يجعل الاعتماد على الدين العام استراتيجية قصيرة المدى محفوفة بالمخاطر على الاستقرار الاقتصادي العالمي.