logo
اقتصاد

"الخنق الاقتصادي".. سياسة إسرائيلية تُنذر بتهجير صامت في الضفة الغربية

سيدة فلسطينية تسير بجانب عناصر من الجيش الإسرائيليةالمصدر: (أ ف ب)

تواصل إسرائيل اتخاذ سلسلة من الإجراءات للضغط الاقتصادي على السلطة الفلسطينية، ولا سيما في الضفة الغربية، عبر التحكم بأموال المقاصة ومنع دخول عشرات آلاف العمال الفلسطينيين إلى أماكن عملهم.

وتسببت هذه الإجراءات في تدهور واضح في الأوضاع المعيشية للفلسطينيين في الضفة الغربية، وخلقت حالة من الاختناق المالي لدى الأسر الفلسطينية؛ ما يهدد قدرتها على الصمود والاستقرار على أرضها.

أخبار ذات علاقة

جنديان إسرائيليان

قائد إسرائيلي: تأمين مستوطنات الضفة أكثر تعقيداً من اجتياح لبنان وغزة

 يرى المحلل والخبير الاقتصادي هيثم عويضة، أن الاقتصاد في الضفة الغربية قائم بدرجة كبيرة على الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي؛ ما يجعل أي تطورات سياسية أو أمنية تنعكس مباشرة على الأداء الاقتصادي للفلسطينيين هناك.

وقال عويضة لـ"إرم نيوز": "هناك ثلاثة عناصر رئيسية كانت تدعم النمو الاقتصادي في الضفة الغربية قبل السابع من أكتوبر، أولها العمالة الفلسطينية داخل إسرائيل، التي كانت تشكل مصدر الدخل الأساسي لنحو 250  ألفًا إلى 300 ألف عامل".

وأضاف: "يتمثل العنصر الثاني في المتسوقين الفلسطينيين من داخل أراضي عام 1948، الذين كانوا يضخون ما يقارب 1.5 مليار شيكل (470 مليون دولار) شهريًّا في أسواق الضفة الغربية، إلا أن هذا التدفق توقف بفعل القيود والحواجز الإسرائيلية عقب الحرب؛ ما أدى إلى خسائر اقتصادية مباشرة تُقدّر بنحو مليار ونصف المليار شيكل شهريًّا".

وتابع أن "العنصر الثالث، والأكثر مركزية في دعم الاقتصاد والإنفاق في الضفة الغربية، يتمثل في رواتب الموظفين العموميين، التي تعتمد بشكل رئيسي على أموال المقاصة، وهي الإيرادات الضريبية التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية مقابل رسوم بنسبة 3%، ثم تُحوّل المتبقي للسلطة وفقاً لبروتوكول باريس الاقتصادي".

وأوضح عويضة أن "هذه التحويلات، التي كانت تتراوح بين 750 مليوناً ومليار شيكل شهريًّا، تُستخدم أساسًا لتغطية المصاريف التشغيلية، وعلى رأسها رواتب الموظفين، إلا أن هذه الإيرادات شهدت تراجعًا ملحوظًا بعد السابع من أكتوبر، حيث انخفضت أولاً إلى 650 مليونًا، ثم إلى 550 مليون شيكل، قبل أن تتوقف بشكل شبه كامل".

وأشار إلى أن "إسرائيل تستخدم أموال المقاصة كورقة ضغط وابتزاز سياسي، عبر تعطيل تحويلها أو اقتطاع أجزاء منها؛ ما تسبب بأزمة مالية خانقة تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الضفة الغربية".

وقال الخبير الاقتصادي إن "الواقع الاقتصادي في الضفة الغربية يواجه أزمة خانقة نتيجة توقف معظم مصادر الدخل الرئيسية؛ ما خلق ضائقة مالية حادة أثرت بشكل مباشر في أداء القطاع الخاص، الذي شهد تراجعًا في النشاط الاقتصادي تراوح بين 30% و40%، خصوصًا في قطاعات التجزئة والصناعة والخدمات".

وتابع: "هذا الانكماش الاقتصادي انعكس بشكل مباشر على ارتفاع معدلات البطالة، إذ بلغت الأرقام الرسمية ما بين 30% و35%، لكن التقديرات الواقعية تشير إلى أن النسبة الفعلية تجاوزت 50%، في ظل غياب فرص العمل في القطاعين العام والخاص، وانعدام القدرة على العمل داخل إسرائيل بسبب القيود الأمنية المشددة".

وأوضح أن "التدهور الاقتصادي الراهن، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، وتبخر مصادر الدخل، جميعها عوامل تؤدي إلى فقدان القدرة على الصمود".

وأضاف: "هذه الأزمة هي نتاج التبعية الاقتصادية التي فرضها اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس، إلى جانب السياسات اليمينية المتطرفة التي تبنتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، سواء من حزب العمل أو الليكود، والتي تهدف إلى إفراغ الأرض من سكانها عبر التهجير الطوعي لا الإجباري، لتنفيذ مشروع السيطرة الكاملة على الأرض".

عامل تهجير

 من جانبه، يرى المختص في شؤون الاستيطان سهيل خليلية أن إسرائيل استخدمت العامل الاقتصادي أداةً للتهجير منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، مشيرًا إلى أن هذا النهج بدأ بشكل واضح في منطقة الأغوار.

وقال خليلية لـ"إرم نيوز": "كانت الأغوار تضم آنذاك نحو 250 ألف فلسطيني، لكن إسرائيل سارعت إلى مصادرة مصادر المياه، وأعلنت مساحات واسعة مناطق عسكرية مغلقة أو محميات طبيعية أو مناطق تدريب؛ ما قيَّد حركة السكان وشلّ حياتهم، ودفع كثيرين منهم إلى مغادرة المنطقة قسرًا تحت وطأة الضغط الاقتصادي والمعيشي".

وأضاف: "بعد سيطرتها على الأرض والمياه في الأغوار عام 1967، بدأت إسرائيل بتغيير الهوية الاقتصادية للشعب الفلسطيني، الذي كان أكثر من 75% منه يعتمد على الزراعة".

وتابع: "أدى الضغط الاقتصادي والاستيلاء على الموارد إلى دفع الأهالي لمغادرة أراضيهم؛ ما أسفر عن انخفاض عدد سكان الأغوار من نحو 250 ألفًا إلى أقل من 65 ألفًا اليوم"، مشيرًا إلى أن إسرائيل واصلت لاحقًا إعادة تشكيل الاقتصاد في الضفة الغربية لصالح مشروعها الاستيطاني عبر السيطرة على المناطق الحدودية والموارد الطبيعية.

وأوضح خليلية أن "إسرائيل حرمت آلاف الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية؛ ما أدى إلى تحول في طبيعة الاقتصاد الفلسطيني، حيث انتقلت القوى العاملة من الزراعة إلى العمل في قطاعات الصناعة والتجارة المرتبطة بالمشروع الاستيطاني".

وقال: "حرب عام 2023 كشفت بوضوح مدى تحكم إسرائيل بالاقتصاد الفلسطيني، حيث إن منع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم في الضفة الغربية وغزة أثّر بشكل مباشر في دخل آلاف الأسر، وأضعف القدرة الاقتصادية الفلسطينية".

ولفت إلى أن "السيطرة الإسرائيلية على أموال المقاصة تُستخدم أداة ضغط سياسي واقتصادي؛ ما يهدد مستقبل الحركة الاقتصادية، في وقت يهيئ فيه الواقع الحالي الأرضية لفتح باب الهجرة".

وختم بالقول: "تسعى إسرائيل إلى تعزيز سيطرتها على الواقع الفلسطيني عبر أدوات اقتصادية مباشرة، وقد أدى هذا الضغط الاقتصادي المتصاعد إلى تدهور واضح في الأوضاع المعيشية للمواطنين في الضفة الغربية، وخلق حالة من الاختناق المالي لدى الأسر الفلسطينية".

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC