في ليلة كان ينبغي أن تكون احتفالية خالصة لنادي الهلال بعد انتزاعه صدارة دوري روشن السعودي من غريمه التقليدي النصر، عقب الفوز المستحق على ضمك بهدفين نظيفين، طفا على السطح مشهد درامي كاد أن يعكر صفو الانتصار.
إنه المشهد الذي بطله المهاجم عبد الله الحمدان، والذي يرفض تجديد عقده ويقترب من الرحيل، والمدرب الإيطالي المحنك سيموني إنزاغي، وجمهور الزعيم الغاضب.
فبينما كانت المدرجات تضج بصافرات الاستهجان كلما لمس الحمدان الكرة، تعبيراً عن سخط الجماهير من أنباء تفاوضه مع الغريم التقليدي النصر، اختار إنزاغي أن يسير عكس التيار تماماً.
لم يرضخ المدرب الإيطالي لضغط المدرج الأزرق، ولم ينجرف وراء العاطفة الجماهيرية التي ترى في تصرف اللاعب خيانة لا تغتفر، بل فاجأ الجميع في المؤتمر الصحفي بدفاع مستميت ومدروس عن لاعبه، واصفاً إياه بالمحترف.
لماذا يغامر إنزاغي بمصادمة الجمهور؟
السؤال الذي يطرحه كل مشجع هلالي اليوم: لماذا يدافع المدرب عن لاعب يراه الجمهور خائناً؟ الإجابة تكمن في عقلية إنزاغي البراغماتية التي ترى ما لا يراه المشجع المتعصب.
إنزاغي يدرك تماماً أن معركة الدوري لم تحسم بعد، وأن الفارق النقطي الضئيل (نقطة واحدة) مع النصر لا يحتمل التفريط في أي ورقة فنية، حتى لو كانت تلك الورقة محروقة جماهيرياً.
أول أسرار هذا الدفاع يكمن في التدريبات، إنزاغي، بخبرته الطويلة في الملاعب الأوروبية، يعلم أن ما يحدث خلف الأسوار المغلقة هو المقياس الحقيقي، عندما صرح بأن الحمدان يؤدي التدريبات بشكل احترافي، فهو يرسل رسالة مفادها أن التقييم الفني يجب أن ينفصل عن ضجيج الانتقالات. هو يرى لاعباً منضبطاً ينفذ التعليمات، ولا يريد أن يخسر مجهوده بسبب معارك جانبية.
السر الثاني هو التركيز في وقت الحسم. الهلال يمر بمنعطف خطير في الموسم، وأي خلل في غرفة الملابس قد يؤدي لنتائج كارثية.
إنزاغي يحاول بذكاء شديد احتواء اللاعب نفسياً، بدلاً من نبذه ودفعه للتمرد أو التخاذل فيما تبقى من عقده. هو يريد عصر كل قطرة عرق من الحمدان لصالح الهلال حتى آخر دقيقة في عقده، وهذا لا يتأتى إلا بالدفاع عنه ومنحه الثقة.
لعبة الشركة.. ذكاء سياسي من الثعلب الإيطالي
لكن الدفاع الفني لم يكن سوى وجه واحد للعملة. الوجه الآخر يكشف عن دهاء سياسي كبير من إنزاغي، عندما سُئل عن مصير اللاعب، لم يقل أريده أن يبقى ولم يقل ليرحل، بل قال بوضوح: أعلم بأن شركة نادي الهلال ستكون لها مفاوضات معه وستقرر مصيره.
هذه الجملة هي طوق النجاة الذي رمى به إنزاغي لنفسه، هو بذلك يرفع الحرج عن كاهله تماماً، ويرمي كرة اللهب في ملعب الإدارة. فإذا رحل الحمدان وتألق مع النصر، سيقول إنزاغي: لم يكن قراري، إنه قرار الإدارة. وإذا جدد اللاعب وبقي، سيقول: لقد راهنت عليه ودافعت عنه.
إنزاغي بهذا التصريح يضرب عصفورين بحجر واحد: يحافظ على استقرار فريقه فنياً بحماية لاعبه من الانهيار النفسي، وفي الوقت نفسه يحمي صورته أمام الجمهور بتنصله من مسؤولية القرار التعاقدي. إنه درس في إدارة الأزمات يلقيه المدرب الإيطالي، مثبتاً أن القيادة الفنية ليست مجرد خطط وتكتيك داخل الملعب، بل هي أيضاً قدرة على الرقص فوق حبال الأزمات الشائكة دون أن تسقط.