لطالما قيل في أروقة كرة القدم أن قيمة الأشياء لا تُعرف إلا بفقدانها، وهذا بالضبط ما شعرت به جماهير نادي الاتحاد السعودي وهي تراقب فريقها يسقط في فخ "الأول بارك" أمام النصر.
لم تكن الخسارة بهدفين نظيفين هي الوجع الوحيد، بل كانت الغصة الكبرى في ملامح الهجوم الاتحادي الذي بدا وكأنه فقد بوصلته برحيل الفرنسي كريم بنزيما.
ورغم التعاقد مع القناص المغربي يوسف النصيري، إلا أن الميدان كشف عن فجوة تكتيكية عميقة تجاوزت مجرد تسجيل الأهداف.
إليكم 4 مزايا خرافية كان يمنحها بنزيما للنمور، وبدا الفريق محروماً منها تماماً في ليلة الكلاسيكو:
1- التناغم المفقود.. ديابي وبيرغوين في مهب الريح
كان كريم بنزيما يمثل عقل المنظومة الهجومية لا مجرد أسنانها. في وجوده، كان الثنائي موسى ديابي وستيفن بيرغوين يتحركان كأنهما أجزاء من ساعة سويسرية دقيقة؛ فكريم كان يفهم لغتهما الكروية، يمرر في المساحة العمياء، ويتبادل المراكز معهما بجمل تكتيكية محفوظة.
أمام النصر، ظهر ديابي وبيرغوين وكأنهما يركضان في جزر منعزلة، حيث افتقدا المهاجم الذي يربط خطوط الأطراف بالعمق؛ ما جعل عرضياتهما وتحركاتهما تبدو عشوائية وسهلة المنال لدفاع العالمي.
2- المهاجم المنشئ.. غياب صانع الألعاب المتخفي
أكبر ميزة فقدها الاتحاد هي قدرة المهاجم على التراجع لوسط الملعب للقيام بدور الرقم 10؛ إذ إن بنزيما كان يمنح الاتحاد تفوقاً عددياً في الوسط، يصنع الفرص لزملائه، ويخرج بالكرة تحت الضغط بمهارة فائقة.
في المقابل، ورغم محاولات النصيري للتراجع، إلا أنه ظل سجين أدوار المهاجم المحطة التقليدي، الاتحاد فقد اللاعب الذي يخلق الفرصة من العدم، وتحول إلى فريق ينتظر وصول الكرة للمهاجم، بدلاً من فريق يشارك مهاجمه في بناء الهجمة من جذورها.
3- الفعالية القاتلة.. ضياع نصف الفرصة
في مباريات القمة كالكلاسيكو، لا تمنحك الدفاعات الكبيرة مساحات شاسعة، وهنا تبرز قيمة بنزيما الذي كان يخلق هدفا من العدم.
الفرنسي يمتلك غريزة التسجيل من أنصاف الفرص وبزوايا شبه مستحيلة، أما أمام النصر، فقد بدا أن النصيري يحتاج إلى خدمة خاصة وعرضيات بالمقاس ليتمكن من التهديد.
غابت اللمسة السحرية التي تحول الكرة التائهة داخل منطقة الجزاء إلى هدف يشعل المدرجات، وهو الفارق الجوهري بين مهاجم تكتيكي ومهاجم صندوق ينتظر الإمدادات.
4- تحركات الأشباح.. عندما يفتح المهاجم ثغرات الدفاع
تحركات بنزيما في العمق لم تكن تهدف دوماً للمس الكرة، بل كانت بمثابة طُعم يسحب به المدافعين بعيداً عن مراكزهم؛ ما يفتح ممرات مفتوحة للقادمين من الخلف مثل عوار أو الأجنحة.
النصيري في أول ظهور له كان ثابتاً بشكل زائد عن اللزوم؛ ما سهل مأمورية دفاع النصر في رقابته بشكل خانق.
غياب هذه الحركية الذكية جعل هجوم الاتحاد يبدو كتاباً مفتوحاً ومقروءاً للمدرب النصراوي، الذي لم يجد صعوبة في غلق العمق تماماً.
ختاما
لا يمكن لوم النصيري وحده على خسارة الكلاسيكو، فهو لاعب بخصائص مختلفة تماماً، لكن الحقيقة المرة التي واجهها العميد هي أن الفريق لم يفقد مجرد هداف، بل فقد النظام الذي كان يدير الهجوم.
الاتحاد بات أمام تحدٍ كبير، إما تغيير أسلوب لعبه ليتناسب مع قدرات النصيري البدنية أو الاستمرار في البكاء على أطلال مزايا بنزيما الخرافية التي ذهبت ولم تعد.