بمزيج من الهدوء المريب والنضج الإداري غير المعتاد، فضل نادي النصر السعودي الصمت المطبق حيال الأزمات التحكيمية الأخيرة، وتحديداً الجدل الذي صاحب لقطات المهاجم إيفان توني، نجم الأهلي، في مباراة الفيحاء.
هذا الموقف الذي أثار تساؤلات الجماهير، لم يكن ضعفاً، بل هو انعكاس لعدوى النضج التي نقلها الأسطورة كريستيانو رونالدو إلى أروقة النادي العاصمي.
عقلية "الدون" تغير القواعد
لطالما عُرف النصر بكونه رقماً صعباً في المعارك الإعلامية، لكنه اليوم يرفع شعار الرد في الملعب.
هذه السياسة ليست وليدة الصدفة، بل هي محاكاة لعقلية رونالدو الذي يرى أن البطولات تُحسم بالعرق فوق العشب، لا بالبيانات خلف الشاشات.
لقد أدركت إدارة "العالمي" أن الانجرار خلف حروب التغريدات هو استنزاف لطاقة الفريق، وقررت أخيراً إغلاق الأبواب أمام كل ما يشتت تركيز المجموعة.
ويمكن تلخيص أسباب هذا التحول الاستراتيجي في 4 محاور أساسية هي كالتالي:
1- حماية المستطيل الأخضر من الضجيج
أول مكاسب هذا الصمت هو توفير بيئة هادئة تماماً للجهاز الفني واللاعبين، فبدلاً من أن يستيقظ اللاعب على أخبار الشكاوى والبيانات المضادة، أصبح تركيزه ينصب فقط على تعليمات المدرب وتطوير مستواه الفني.
هذا العزل الذهني هو السلاح السري لضمان استمرارية العطاء بعيداً عن ضغوط الشارع الرياضي.
2- تجفيف منابع الوقود الإعلامي
يدرك النصراويون اليوم أن المنافسين يقتاتون على ردود فعل "العالمي"، فالدخول في سجالات حول أزمة توني أو أداء الحكم يمنح البرامج الرياضية ومواقع التواصل الاجتماعي وقوداً يستخدم لزعزعة استقرار الفريق، وبامتناع النصر عن الرد، فإنه يحرم خصومه من فرصة استدراجه لمعارك جانبية خاسرة.
3- صورة البطل الواثق
في لغة الكبار، الصمت هو قمة الثقة، وبترفعه عن الصغائر وعدم الالتفات للمناوشات الكلامية من الهلال أو الأهلي، يرسل النصر رسالة مفادها: "نحن كبار لدرجة أننا لا نرى هذه الضوضاء".
هذه الصورة الذهنية تمنح اللاعبين ثقة داخلية وتصدر القلق للمنافسين الذين ينتظرون انكسار الفريق إعلامياً.
4- توجيه الطاقة للمهمة الأسمى
المعركة الحقيقية هي حصد الذهب، ومن هنا، قررت الإدارة توجيه كل الطاقة الذهنية والبدنية للتدريبات والمباريات فقط.
فالوقت الذي كان يُقضى في صياغة البيانات القانونية، أصبح يُستثمر في تحليل الخصوم وتطوير الأداء الجماعي.
في النهاية، يبدو أن النصر قرر أن يكون نسخة كربونية من قائدة البرتغالي، عمل صامت، طموح جامح، وردود قاسية لا تُكتب بالحبر، بل تُسجل بالأهداف في شباك الخصوم، إنها مرحلة النصر الجديد الذي يطمح لغلق الصفحة الأسوأ، والعودة ملكاً بكرة القدم فقط.