في ليلة كروية حبست أنفاس جماهير العالمي، لم تكن مفاجأة البرتغالي جورجي جيسوس مقتصرة على التكتيك أو أسلوب اللعب أمام التعاون، بل كانت الصدمة الكبرى في ورقة الأسماء الأساسية.
الجميع كان يترقب عودة الحارس الشاب نواف العقيدي لحماية العرين النصراوي بعد انتهاء فترة إيقافه لمباراتين، تلك العقوبة التي نالها عقب طرده في ديربي الرياض.
كانت كل التوقعات تشير إلى أن ابن النادي سيستعيد قفازه فورًا، لكن الثعلب البرتغالي كان له رأي آخر؛ رأي صادم ومخالف لكل التكهنات.
قرر جيسوس إبقاء العقيدي حبيس مقاعد البدلاء والدفع بالبرازيلي بينتو أساسيًّا في مباراة لا تقبل القسمة على اثنين. هذا القرار لم يكن مجرد خيار فني عابر أو مجازفة غير محسوبة، بل كان يحمل في طياته 4 رسائل نارية وجهها الداهية البرتغالي لعدة أطراف، ولنواف العقيدي بشكل خاص، ليعيد ترتيب الأوراق داخل البيت النصراوي.
الرسالة الأولى: قرصة أذن لا بدّ منها
الرسالة الأوضح والأكثر صرامة كانت موجهة للعقيدي نفسه، أراد جيسوس أن يقول بصوت عالٍ إن العودة من الإيقاف لا تعني استعادة المركز أوتوماتيكيًّا.
الحارس الشاب ارتكب أخطاءً ساذجة في الفترات الأخيرة، كان أبرزها الطرد المجاني أمام الهلال الذي كلف فريقه الكثير في سباق الصدارة.
جلوسه على الدكة هو عقاب تربوي، أو ما يُعرف كرويًّا بـ "قرصة أذن"، ليُدرك أن القميص الأساسي للنصر ليس إرثًا مضمونًا، وأن عليه دفع ضريبة أخطائه كاملة قبل أن يطالب بفرصته مجددًا.
الرسالة الثانية: طوق نجاة من مقصلة الإعلام
على الجانب الآخر، يحمل قرار جيسوس دهاءً كبيرًا في حماية لاعبه، وإن بدا ظاهريًّا كعقوبة، يعلم المدرب الخبير أن العقيدي يمر بفترة ضغط نفسي رهيب، خاصة مع حملات النقد اللاذعة التي طالته في البرامج الرياضية، وتحديدًا الهجوم الشرس في برنامج أكشن مع وليد.
الدفع به فورًا في مباراة صعبة أمام التعاون كان بمثابة وضعه تحت المقصلة؛ فأي هفوة بسيطة كانت ستتحول إلى مادة دسمة للإعلام قد تقضي على مستقبله النفسي مع الفريق. لذا، اختار جيسوس أن يسحب حارسه من تحت الأضواء مؤقتًا، ليحميه من سهام النقد حتى يستعيد توازنه الذهني.
الرسالة الثالثة: صدمة الإفاقة لقتل الغرور
يرى جيسوس أن اللاعب الشاب قد يصاب بنوع من الضمان أو الثقة الزائدة التي تصل حد التراخي، معتقدًا أن لا بديل له في مركز الحراسة.
بوضع العقيدي بديلًا، وجه جيسوس صدمة إفاقة ضرورية، مفادها أن الفريق لن يقف على لاعب واحد مهما كانت موهبته. هذه الصدمة هي الوقود الذي يحتاجه العقيدي الآن ليراجع حساباته، ويدرك أن عليه القتال في التدريبات بشراسة أكبر لاستعادة مكانه بجهده وعرقه، وليس بكونه الخيار الوحيد المتاح.
الرسالة الرابعة: الثقة الكاملة في بينتو
أخيرًا، كانت الرسالة موجهة للحارس البرازيلي بينتو وللفريق ككل. جيسوس أثبت أنه يثق في قائمة فريقه، وأن الحارس البديل يجب أن يكون في كامل جاهزيته للطوارئ.
منح الثقة لبينتو في مباراة حساسة وخروجه بشباك نظيفة كان بمثابة الختم الرسمي على صحة قرار جيسوس. هذا الأمر يرسل رسالة اطمئنان للدفاع بأن العرين في أمان أيًّا كان الحارس، ويخلق منافسة شرسة وصحية ترفع من مستوى الحارسين معًا.
في النهاية، أثبتت نتيجة المباراة ودهاء جيسوس أن القرارات التربوية الصعبة غالبًا ما تكون هي القرارات الصحيحة فنيًّا.
فوز النصر وتقليص الفارق مع الهلال أكد أن معركة الانضباط التي يخوضها جيسوس تسير في الطريق الصحيح، وأن الكرة الآن في ملعب العقيدي ليلتقط القفاز ويعود أقوى.