لم يعد النادي الأهلي السعودي ذلك الفريق الذي يكتفي بجس نبض خصومه، أو ينتظر حتى يطلق الحكم صافرة بداية الشوط الثاني ليبدأ في إظهار مخالبه الهجومية؛ فما حدث في ليلة الخماسية أمام الشباب كان إعلاناً رسمياً عن ولادة نسخة مرعبة لا تعرف الهوادة.
تجلت ملامح فريق لا يكتفي بلعب كرة القدم فحسب، بل يفرض هيمنته المطلقة منذ الثانية الأولى، ليؤكد للوسط الرياضي أن طموح "الراقي" هذا الموسم قد تجاوز مرحلة المشاركة إلى مرحلة السيادة.
وتكمن قوة هذه النسخة في خمسة أسرار تكتيكية وفنية، صاغها المدرب الألماني ماتياس يايسله بعناية:
أولاً: التخلي عن عباءة الحذر والاندفاع الهجومي المبكر
لطالما ارتبط اسم الأهلي مع يايسله بكونه فريق الشوط الثاني، فقد كان يعتمد الحذر المبالغ فيه في الدقائق الخمس والأربعين الأولى.
إلا أن التحول الجذري ظهر في المبادرة الهجومية الكاسحة منذ انطلاق الصافرة، فمن خلال الضغط العالي المتقدم، نجح الفريق في شل حركة الخصم ووضع دفاعاته تحت ضغط مستمر، مما أثمر عن حسم المواجهات مبكراً وقتل آمال المنافسين في العودة.
ثانياً: التنظيم الدفاعي بوجود أتانغانا كصمام أمان
يعد التوازن التكتيكي حجر الزاوية في طفرة الأهلي الأخيرة، ويمثل اللاعب فالنتين أتانغانا المحرك الرئيسي لهذا التوازن.
فبوجوده كساتر دفاعي أول أمام الخط الخلفي، استطاع الفريق إجهاض الهجمات المرتدة للمنافسين قبل وصولها لمنطقة الجزاء.
هذا الدور المحوري منح الحرية الكاملة لرباعي المقدمة للإبداع الهجومي، من دون القلق من الثغرات التي قد تظهر خلفهم أثناء الاندفاع.
ثالثاً: سلاح الكرات العرضية الفعّال من اللعب المفتوح
لم يعد اعتماد الأهلي على الكرات العرضية مجرد محاولات عشوائية، بل تحول إلى نهج تكتيكي منظم يتم تنفيذه من خلال اللعب المفتوح وليس الكرات الثابتة فقط.
وبفضل التمركز الذكي للمهاجمين والبراعة في إرسال الكرات من الأطراف عبر رياض محرز وإيفان توني، أصبح هذا السلاح مصدر الرعب الأول للدفاعات، إذ يصعب التنبؤ بمسار الكرة أو مراقبة المهاجمين القادمين من الخلف.
رابعاً: اللياقة البدنية الاستثنائية والضغط المستمر
برزت الحالة البدنية للاعبي الأهلي كأحد أهم الفوارق الفنية في المباريات الأخيرة، فقد أظهر الفريق قدرة فائقة على الركض والضغط العكسي طوال تسعين دقيقة من دون تراجع ملحوظ في المردود اللياقي.
هذه القوة البدنية مكنت اللاعبين من استعادة الكرة في مناطق الخصم بسرعة قياسية، مما جعل المنافسين يقعون في أخطاء بدائية نتيجة الإرهاق والضغط المتواصل.
خامساً: التدرج السلس والتحوّل المباشر نحو المرمى
ابتعد الأهلي عن الفلسفة الزائدة في بناء الهجمة أو التحضير الممل للكرة في مناطق الدفاع، بدلاً من ذلك، اعتمد الفريق أسلوب التمرير العمودي السريع والتحولات الخاطفة.
هذا التدرج السلس يسمح بوصول الكرة من خط الدفاع إلى مناطق جزاء الخصم بأقل عدد من التمريرات، مما يمنح المهاجمين ميزة التفوق العددي والسرعة في مواجهة حراس المرمى.
ختاما
إن هذا التحول في الشخصية الفنية للنادي الأهلي يعكس عملاً دؤوباً من الجهاز الفني لاستغلال إمكانات النجوم بالشكل الأمثل.
وإذا ما استمر الفريق على هذا النهج من الانضباط التكتيكي والحدة الهجومية، فإننا أمام مرشح فوق العادة لا ليكون منافساً فحسب، بل ليكون العقبة الأكبر في طريق كل من يطمح لاعتلاء منصات التتويج هذا الموسم.