منذ اللحظة التي وطِئت فيها أقدام كيليان مبابي ملعب "سانتياغو برنابيو"، ساد اعتقاد بأن شمس فينيسيوس جونيور قد بدأت في الغروب، أو على الأقل ستتوارى قليلاً خلف بريق النجم الفرنسي القادم بصفة الأفضل في العالم، وقد حدث ذلك على بعض المستويات.
لكن كرة القدم لا تعترف دائمًا بأسماء القادمين، بل بما يقدمه المقاتلون على أرض الميدان، وهو ما يفعله البرازيلي الآن في ريمونتادا معنوية وفنية وضعت مبابي في موقف حرج أمام مدرج لا يرحم.
تراجع مبابي.. فخ الإصابات والبرود الفني
لا يمكن إنكار أن كيليان مبابي يمر بفترة هي الأصعب في الأسابيع الماضية فالنجم الذي كان يفكك الدفاعات بلمسة، يبدو اليوم متأثرًا بتبعات إصابة سابقة لا تزال تلقي بظلالها على سرعته المعهودة.
وبالنظر للأرقام في مواجهة أوساسونا الأخيرة، نجد أن مبابي فشل في إتمام أي مراوغة ناجحة طوال 90 دقيقة، وفقد الكرة في 12 مناسبة؛ ما يعكس حالة من عدم الثقة أو الإجهاد البدني والذهني.
الشخصية والروح.. العمل حين يتوقف الآخرون
في المقابل، استوعب فينيسيوس جونيور الدرس سريعًا، أدرك أن كسب حب "المدريديستا" من جديد لا يأتي بالمهارة الفردية فقط، بل بأفعال قتالية تعكس قيمة القميص.
المشهد الذي لخص حال ريال مدريد في ليلة السقوط أمام أوساسونا لم يكن الهدف الذي سُجل، بل كان في الدقيقة الـ42، حين ركض فينيسيوس بمفرده لمسافات طويلة للضغط على الدفاع لاستخلاص الكرة، في وقت كان فيه بقية زملائه، وعلى رأسهم مبابي، يقفون في أماكنهم دون حراك، هذا الالتزام البدني والضغط العالي هو ما يصنع الفارق في عيون المشجع الذي يرى لاعبه يقاتل وحده في الميدان.
العاطفة كمحرك لا كعائق
لطالما انتقد البعض فينيسيوس بسبب عصبيته، لكن هذه العاطفة الجياشة هي نفسها التي تحولت الآن إلى وقود لقيادة الفريق، فينيسيوس لاعب لا يتقبل الخسارة، وتراه يصرخ في زملائه ويحفزهم عند شعوره بأي تراخٍ.
هذه الشخصية الصدامية الإيجابية جعلته يحمل عبء الفريق هجوميًّا، فهو لا يخشى المواجهات المباشرة مع المدافعين ولا يتأثر بصيحات استهجان الجماهير المنافسة، بل يستمد منها القوة للاستمرار.
الاستمرارية البدنية.. الإصرار حتى اللحظة الأخيرة
الأرقام تدعم تألق فينيسيوس، ففي وقت يظهر فيه مبابي كأنه استنزف طاقته مبكرًا، يظل البرازيلي يعافر ويحاول حتى الدقيقة الـ90.
هدفه الوحيد في المباراة الأخيرة لم يكن مجرد صدفة، بل نتاج لمحاولات مستمرة واختراق للعمق ودقة تمرير وصلت إلى 84%، وتسديد 5 كرات على المرمى، هو يدرك أن الموهبة قد تخون صاحبها في يوم سيئ، لكن الجهد البدني والإخلاص للشعار ثوابت لا يمكن التنازل عنها.
ختاما
لقد نجح فينيسيوس في إثبات أن النجومية في ريال مدريد ليست صكًّا يُمنح للأشهر أو الأغلى سعرًا، بل هي عقد يُجدد في كل مباراة بالعرق والركض المستمر.
بينما مبابي يبحث عن نفسه في ظلال حالته البدنية وضغوط التوقعات في المنعطف الأخطر من الموسم، استعاد فينيسيوس مكانته المفقودة لأنه اختار أن يكون المحارب الذي يحترق من أجل الفريق، وليس مجرد نجم يكتفي بالتواجد الشكلي.
الجمهور المدريدي اليوم يرى في فينيسيوس الإرث الحقيقي لروح القتال، وهي الروح التي يبدو أن الفريق يفتقدها في عناصر أخرى كثيرة.