لم تكن ليلة ملعب "كرافن كوتيغ" مجرد تعثر عابر في مسيرة ليفربول هذا الموسم، بل كانت إعلانا رسميا عن تصدع منظومة المدرب الهولندي آرني سلوت.
التعادل الدرامي بهدفين لمثلهما أمام فولهام، وضياع الفوز في الثواني الأخيرة، لم يكن سوى القشرة الخارجية لأزمة عميقة تنخر في جسد "الريدز".
لقد كشفت هذه المباراة بوضوح أن ما يحدث ليس سوء طالع، بل نتيجة حتمية لسلسلة من القرارات الفنية والإدارية غير الموفقة التي ارتكبها سلوت منذ بداية الموسم والتي حولت ليفربول من منافس شرس إلى فريق هش فاقد للهوية.
في هذا التقرير، نسلط الضوء على الأخطاء الأربعة القاتلة التي ارتكبها آرني سلوت منذ أغسطس الماضي، والتي يبدو أنها في طريقها لتدمير موسم ليفربول بالكامل.
خطيئة تهميش الملك المصري
الخطأ الأول والأكثر فداحة هو الغرور التكتيكي الذي مارسه سلوت ضد نجم الفريق الأول محمد صلاح، فدخول أي مباراة من دونه واستبداله بأسلوب لعب يعتمد على اللامركزية أثبت فشله الذريع قبل سفر المصري لكأس الأمم الأفريقية.
الأرقام لا تكذب؛ فالبديل دومينيك سوبوسلاي ظهر تائها وعاجزا عن خلق أي خطورة حقيقية، بينما افتقد الفريق المرجعية الهجومية التي كان يمثلها صلاح في الأوقات الصعبة. سلوت ظن واهما أن النظام أهم من الأفراد، متجاهلًا حقيقة أن صلاح ليس مجرد لاعب، بل هو المنظومة التي تستر عيوب الفريق.
تهميش الهداف الأول للفريق كان بمثابة انتحار كروي أفقد الهجوم شراسته وجعل ليفربول يبدو كفريق بلا أنياب طوال النصف الأول من الموسم.
الانتحار الدفاعي والإصرار على الخط العالي
رغم تراجع مستوى فيرجيل فان دايك وتباطؤ إبراهيما كوناتي، لا يزال سلوت مصرا بعناد غريب على تطبيق مصيدة التسلل بأسلوب الخط العالي المبالغ فيه.
هدف فولهام الأول جاء هدية مجانية من هذا التكتيك؛ حيث وقف الدفاع في منتصف الملعب تاركًا مساحات شاسعة خلفه، ومع لحظة سهو من فان دايك، ضُربت المصيدة في مقتل.
هذا العناد التكتيكي وعدم الواقعية في التعامل مع قدرات المدافعين الحالية، جعل مرمى ليفربول مستباحًا أمام أي فريق يمتلك لاعبين يتمتعون بالسرعة، محولا الدفاع الحديدي سابقا إلى ممر سهل يستقبل الأهداف.
سذاجة قراءة المباراة والتعامل مع الدقائق القاتلة
إدارة سلوت للمباراة من الخطوط الجانبية كانت كارثية بكل المقاييس. التبديلات جاءت متأخرة وغير فعالة، والأسوأ كان التعامل مع دقائق الحسم. بعد هدف التقدم لكودي جاكبو في الدقيقة الرابعة والتسعين، كان المنطق يقتضي قتل اللعب وتأمين الدفاع بكثافة عددية وإغلاق المنافذ.
بدلًا من ذلك، شاهدنا فوضى تكتيكية، حيث تواجد تسعة لاعبين من ليفربول داخل المنطقة دون ضغط حقيقي على حامل الكرة؛ ما سمح لهاريسون ريد بالتسديد بأريحية تامة.
غياب التوجيه الصارم من المدرب في تلك اللحظات الحاسمة، وعجزه عن قراءة رد فعل الخصم، كلف الفريق نقطتين كانتا في المتناول.
طمس هوية الريدز وغياب الروح القتالية
لعل الجريمة الكبرى التي ارتكبها سلوت هي تحويل ليفربول من فريق يرهب الخصوم بضغط عالٍ وشراسة لا تتوقف، وهو الأسلوب الذي زرعه يورغن كلوب، إلى فريق يعتمد على الاستحواذ السلبي.
الفريق بات يستهلك الوقت في تمريرات عقيمة في وسط الملعب دون الوصول للمرمى، واختفت الروح القتالية والضغط العكسي فور فقدان الكرة. ليفربول مع سلوت أصبح فريقا باردا بلا روح، يلعب وكأنه يؤدي وظيفة روتينية مملة؛ ما جعل الخصوم يطمعون فيه بسهولة، حتى في ظل وجود نجوم من العيار الثقيل.
موسم ليفربول بات على المحك، وما فعله سلوت، حتى الآن، هو تفكيك ممنهج لما بناه سلفه على مدار سنوات.
إذا لم يتدارك المدرب الهولندي أخطاءه فورا، وأولها إعادة صلاح لمكانه الطبيعي بمجرد عودته من المشاركة في كأس الأمم الأفريقية، والأهم تعديل الكوارث الدفاعية، فإن ليفربول لن يخرج بموسم صفري فحسب، بل قد يشهد رحيل أبرز نجومه هربا من هذا التخبط الفني.