لم يكن مشهد أحمد سيد "زيزو" وهو يمرر الكرة بدقة جراحية إلى محمود حسن "تريزيغيه" ليسكنها الشباك، بينما إمام عاشور يفتح المساحات في الخلف، مجرد لقطة فنية عابرة في مباراة وادي دجلة بالدوري المصري، بل كان إعلانًا رسميًّا عن نجاح أخطر وأغلى رهان خاضه محمود الخطيب، رئيس النادي الأهلي، لإعادة استنساخ "مثلث الرعب الذهبي"، الذي حكم القارة السمراء لسنوات: محمد بركات، محمد أبو تريكة، وعماد متعب.
لسنوات طويلة، ظل جمهور الأهلي يعيش على أطلال الجيل الذهبي، باحثًا عن تلك التوليفة السحرية التي تجمع بين المهارة الفطرية، والسرعة الخارقة، والفاعلية القاتلة أمام المرمى.
واليوم، وبعد صفقات دوت أصداؤها في أرجاء الشرق الأوسط، يبدو أن بيبو قد وجد ضالته أخيرًا في الثلاثي (إمام، تريزيغيه، وزيزو).
رهان الخزائن المفتوحة.. الجودة لا تقدر بثمن
لم يكن جمع هذا الثلاثي أمرًا سهلاً، بل كان مغامرة إدارية ومالية محسوبة بدقة، حين قرر الخطيب فتح خزائن النادي على مصراعيها، واجه انتقادات بشأن سقف الرواتب وقيمة الصفقات، خاصة عند ضم زيزو من الغريم التقليدي في صفقة هزت الوسط الرياضي، أو استعادة "تريزيغيه" براتب فئة أولى يليق بنجم قادم من أوروبا، ناهيك عن صفقة إمام عاشور التي كانت الشرارة الأولى.
اليوم، تثبت الأرقام والأداء أن الغالي ثمنه فيه. هذا الإنفاق لم يكن ترفًا، بل كان استثمارًا ضروريًّا لصناعة فوارق فردية لا يملكها أي خصم في القارة.. إنها الإستراتيجية ذاتها التي بنيت عليها فترة مانويل جوزيه، حين كان الأهلي يكدس النجوم (بركات من الخليج، أبو تريكة من الترسانة، فلافيو وجيلبرتو) ليسيطر بالطول والعرض.
استنساخ الأدوار.. من 2005 إلى 2026
التشابه بين المثلثين ليس في الأسماء فقط، بل في التكامل التكتيكي المرعب: إمام عاشور (المايسترو الديناميكي): يلعب دور الرئة والمحرك الذي كان يقوم به محمد أبوتريكة، ولكن بصبغة عصرية تعتمد على القوة البدنية والتسديد بعيد المدى، ليكون حلقة الوصل التي لا تنقطع بين الدفاع والهجوم.
محمود تريزيغيه (الزئبقي الجديد): يعيد للأذهان انطلاقات محمد بركات الزئبقي. "تريزيغيه" بلياقته البدنية العالية وقدرته على الاختراق الطولي والعرضي، يخلق الفوضى ذاتها في دفاعات الخصوم التي كان يصنعها بركات بابتسامة هادئة.
أحمد سيد زيزو (القاتل الصامت): مع الفارق في المركز، يكمل الضلع الثالث بفاعلية تشبه فاعلية عماد متعب في التمركز والإنهاء، مضافًا إليها مهارة صناعة اللعب.
وجود زيزو في هذا النظام يمنح الفريق حلولاً فردية كانت غائبة، تمامًا كما كان يفعل نجوم الجيل الذهبي في الأوقات الحرجة.

نحو عقد جديد من الهيمنة القارية
ما فعله هذا الثلاثي أمام وادي دجلة، وما يقدمونه من تناغم، ليس إلا بروفة لما ينتظر إفريقيا. إن امتلاك ثلاثة لاعبين بقيمة تسويقية وفنية تتجاوز ميزانيات أندية كاملة في القارة، يعني شيئًا واحدًا: الأهلي لا يخطط للفوز ببطولة عابرة، بل يخطط لتدشين عقد جديد من الاحتكار للأميرة السمراء.
لقد أثبت محمود الخطيب أن الرهان على الجودة السوبر هو الطريق الوحيد لنسخ أمجاد الماضي. وكما كان مثلث (تريكة – بركات – متعب) كابوسًا لأندية تونس والمغرب في العقد الأول من الألفية، يبدو أن مثلث (إمام – تريزيغيه – زيزو) يكتب الآن السطور الأولى في قصة رعب جديدة ستطارد القارة لسنوات قادمة.
التاريخ لا يعيد نفسه بالصدفة، بل يعيده من يملك الجرأة على صناعته.. ويبدو أن الأهلي قد فعلها مجددًا.