من المعتاد في ملاعب كرة القدم أن نرى النجوم في خريف مسيرتهم الرياضية وهم يقتصدون في مجهودهم البدني، يكتفون بالوقوف داخل منطقة الجزاء بانتظار هدية من صانع ألعاب أو عرضية طائشة.
لكن في الأحساء، وأمام الفتح، قرر الأسطورة البرتغالية كريستيانو رونالدو، قائد النصر السعودي، أن يقلب الطاولة على الجميع، ويثبت أن العمر مجرد رقم ليس مجرد شعار للتسويق، بل حقيقة جسدها بركض متواصل وضغط لم يهدأ طوال 90 دقيقة.
لم تكن هدية رونالدو للنصر في هذه المباراة مجرد هدف افتتح به التسجيل ورفع رصيده إلى 18 هدفاً في الدوري، بل كانت حزمة من الخدمات التكتيكية التي جعلت من النجم البالغ من العمر 41 عاماً اللاعب الأكثر شمولية في تشكيل جورجي جيسوس.
1. الحارس الثاني.. الدون يفك شفرة الكرات الثابتة
كانت المخاوف النصراوية قبل اللقاء تتركز على سلاح الفتح الفتاك، الكرات الثابتة والعرضيات المتقنة، وهنا، ظهر رونالدو المدافع؛ حيث لم يتردد في التراجع إلى داخل منطقة الـ18 الخاصة بفريقه عند الكرات الثابتة.
بفضل ارتقائه التاريخي وحسن تمركزه، نجح رونالدو في تشتيت أكثر من كرة خطيرة، مانحاً الحارس بينتو والمنظومة الدفاعية ثقة إضافية، وكأنه يقول لزملائه: أنا هنا لحماية العرين قبل هز شباك الخصوم.
2. محطة العبور.. كيف تحرر ماني وفيليكس؟
في تكتيك جيسوس الجديد، لم يعد رونالدو هو المتلقي الوحيد؛ بل تحول إلى محطة عبقرية، كان يخرج من منطقة الجزاء لسحب المدافعين خلفه؛ ما خلق فجوات قاتلة في دفاع الفتح استغلها ساديو ماني وجواو فيليكس ببراعة.
هذا الدور الإيثاري جعل هجوم النصر أكثر مرونة وصعوبة في التوقع، فلم يعد الخصم يعرف هل يراقب رونالدو الهداف أم رونالدو صانع المساحات.
3. صائد الكرات.. الارتكاز المتنكر في زي مهاجم
أبرز لقطات المباراة لم تكن الأهداف، بل كانت تلك اللحظات التي استخلص فيها رونالدو الكرة من وسط ملعب الفتح.
"الدون" لم يكتفِ بمشاهدة زملائه وهم يحاولون استعادة الكرة، بل كان يبدأ عملية الافتكاك بنفسه، ثم ينطلق بسرعة البرق لبناء هجمة مرتدة.
هذا المجهود البدني الخرافي في استعادة الكرة منح النصر أفضلية في الاستحواذ ومنع الفتح من التقاط أنفاسه.
4. المقصلة العالية.. الضغط الذي شل حركة النموذجي
منذ الدقيقة الأولى وحتى صافرة النهاية، طبق رونالدو ضغطاً عالياً وشرساً على مدافعي الفتح. كان يضايق حامل الكرة كأنه لاعب شاب يبحث عن مكانه في التشكيل الأساسي للمرة الأولى.
هذا الضغط أجبر لاعبي الفتح على تشتيت الكرة بشكل عشوائي؛ ما أجهض محاولاتهم لبناء اللعب من الخلف، وجعل المباراة تسير في اتجاه واحد نحو مرمى الحارس باتشيكو.
ختامًا: الأسطورة الذي لا يشبع
إن ما قدمه كريستيانو رونالدو في الأحساء هو درس في الاحترافية؛ فبينما يطارد حلمه بالوصول للهدف رقم 1000، لم ينسَ أن كرة القدم منظومة تتطلب التضحية.
رونالدو اليوم في النصر ليس مجرد ماكينة أهداف، بل هو القائد الذي يدافع، والمحطة التي تصنع، والمحرك الذي لا يتوقف عن الضغط، ليؤكد أن عام الـ 41 قد يكون العام الأكثر نضجاً وتألقاً في مسيرته الأسطورية.