لم يكن وصول الهلال إلى صدارة دوري روشن السعودي، أو اكتساحه لمنافسيه في دوري أبطال آسيا للنخبة، مجرد صدفة أو نتاج قوة مالية فحسب؛ بل هو نتاج عمل فني دقيق حول الزعيم إلى ما يشبه الآلة التي لا تتوقف عن الدوران.
خلف هذا التحول الجذري يقف العقل المدبر الإيطالي سيموني إنزاغي، الذي نجح في فترة وجيزة في بناء منظومة كروية مرعبة، جعلت المتابعين يطلقون على الفريق لقب الوحش الذي يأكل الأخضر واليابس.
1. شخصية قاهر الكبار.. الخوف الذي تبخر
نقطة التحول الحقيقية في مسيرة الهلال هذا الموسم لم تكن في الدوري المحلي، بل كانت في المحفل العالمي.
الأداء البطولي الذي قدمه الفريق أمام عمالقة أوروبا في كأس العالم للأندية، وتحديداً التعادل التاريخي مع ريال مدريد والانتصار المدوي على مانشستر سيتي، زرع في نفوس اللاعبين عقيدة جديدة: إذا كنا قادرين على مقارعة أسياد أوروبا، فمن يستطيع إيقافنا في آسيا؟.
هذه الثقة المفرطة –بالمعنى الإيجابي– جعلت الفريق يدخل أي مباراة محلية بشخصية البطل الذي لا يرى في الخصم نداً، بل مجرد عقبة يجب تجاوزها.
2. المرونة التكتيكية.. إنزاغي ليس جماداً
على عكس الصورة النمطية عن المدربين الطليان وتمسكهم بالدفاع، أثبت إنزاغي أنه يتمتع بمرونة تكتيكية فائقة.
الرجل لا يعتمد على كتالوج واحد محفوظ، بل يطوع خطته بحسب إمكانيات الخصم وظروف المباراة.
ظهر هذا جلياً في مباريات النخبة الآسيوية، حيث كان الفريق يتحول بسلاسة من الهجوم الكاسح إلى التكتل الدفاعي المنظم عند الحاجة.
هذه القدرة على قراءة الملعب وتغيير الجلد التكتيكي أثناء الـ 90 دقيقة جعلت الهلال فريقاً غير قابل للتوقع، وصعباً على أي مدرب منافس فك شفرته.
3. دكة بدلاء مرعبة.. لا مكان للمتخاذلين
أحد أهم أسرار قوة الهلال يكمن في دكة بدلائه التي تضاهي، وربما تتفوق، على التشكيلات الأساسية لفرق أخرى.
بوجود أسماء انضمت حديثاً لكتيبة الرعب مثل سلطان مندش، والانتظار المرتقب للإعلان الرسمي عن صفقات أخرى مثل مراد هوساوي، بالإضافة إلى الأجانب من الطراز العالمي، خلق إنزاغي بيئة تنافسية شرسة داخل الفريق.
الرسالة واضحة للجميع: لا يوجد لاعب أساس محجوز مكانه، ومن سيتخاذل سيجد وحشاً آخر ينتظر مكانه على الخط، هذا الضغط الداخلي يضمن أن يقدم كل لاعب 200% من مستواه في كل دقيقة لعب.

4. الاستقرار الفني.. نعمة يفتقدها المنافسون
بينما يعاني الغريم التقليدي النصر من تخبطات، وعاش الاتحاد في دوامة تغيير المدربين والمشاكل الإدارية، ينعم الهلال باستقرار فني يحسد عليه.
اللاعبون شربوا أسلوب إنزاغي تماماً، وأصبح تطبيق طريقة (3-5-2) ومشتقاتها يتم بشكل أوتوماتيكي داخل الملعب.
التناغم بين الخطوط، والتحركات المحفوظة بدون كرة، كلها ثمار الوقت الذي منحه النادي للمدرب لبناء مشروعه وإن كان قصيرًا، ليصبح الهلال الفريق الأكثر جماعية وانضباطاً في المملكة.
5. الذكاء في الميركاتو.. البحث عن الدماء الجديدة
ربما تكون هذه النقطة هي الأكثر إثارة للإعجاب؛ فالهلال متصدر، وفريقه مكتمل، ونتائجه ممتازة، ومع ذلك، لا يتوقف عن الحركة في سوق الانتقالات.
فلسفة الإدارة والمدرب هنا تعتمد على مبدأ تجديد الدوافع، بيع لاعبين وشراء آخرين حتى في عز التألق يهدف لمنع حالة التشبع التي تصيب الفرق بعد البطولات.
إنزاغي يدرك أن البقاء على القمة أصعب من الوصول إليها، ولذلك يستمر في ضخ دماء جديدة تملك الشغف والجوع للبطولات، مما يضمن استمرار دوران عجلة الانتصارات دون توقف.
ختاماً، ما يفعله سيموني إنزاغي مع الهلال ليس مجرد طفرة مؤقتة، بل هو تأسيس لحقبة قد تمتد لسنوات، حقبة يبدو فيها الزعيم وحشاً كاسراً لا يرحم منافسيه.