لم يعد الأمر مجرد صدفة أو صحوة متأخرة تحدث في مباراة عابرة، بل تحول إلى ظاهرة كروية مرعبة باتت تميز فريق الأهلي السعودي تحت قيادة ماتياس يايسله.
ما حدث في مباراة الخليج الأخيرة، حين قلب "الراقي" تأخره بهدف إلى انتصار كاسح برباعية، لم يكن إلا دليلا قاطعا على أن الأهلي يمتلك سلاحا سريا يظهر بوضوح في الأشواط الثانية، محولا الفريق من حمل وديع في البدايات إلى كابوس يلتهم خصومه في النهايات.
بصمة الجندي المجهول
خلف الكواليس، وبعيدا عن أضواء الكاميرات التي تلاحق محرز وتوني، يقف رجل يمكن وصفه بـ"مهندس اللياقة" وصانع الفارق الحقيقي، إنه فيصل برناوي، المعد البدني الذي أحدث ثورة في المخزون البدني للاعبين.
ما يفعله الأهلي في الدقائق الأخيرة من المباريات يؤكد أن هناك عملاً بدنيا جبارا يتم في التدريبات. في الوقت الذي تتثاقل فيه أقدام المنافسين، يبدو لاعبو الأهلي وكأنهم في الدقيقة الأولى من اللقاء.
هذه الطاقة المتجددة التي زرعها برناوي جعلت من الفريق قوة لا يستهان بها، قادرة على الدهس والضغط المتواصل دون أي تراجع في المعدل البدني؛ ما يمنحهم أفضلية كاسحة في الأمتار الأخيرة من أي مواجهة.
انهيار الخصوم.. عندما ينفد الوقود
المشهد أصبح متكررا؛ فريق يبدأ المباراة بندية أمام الأهلي، يجري، يضغط، وربما يسجل، ولكن سرعان ما تدق ساعة الحقيقة، أمام النسق العالي والريتم السريع الذي يفرضه الأهلي، تجد الفرق المنافسة نفسها عاجزة عن المجاراة.
في مباراة الخليج، ومباريات أخرى سبقتها، بدا واضحا أن الخصم ينتهي بمجرد دخول الشوط الثاني. هذا الانهيار البدني للمنافسين ليس ضعفا منهم بقدر ما هو استنزاف يجبرهم عليه الأهلي، الذي يجر خصومه إلى معركة بدنية طويلة النفس لا يقوى عليها سواه؛ ما يفتح الثغرات في الدفاعات المنهكة لتستقبل الأهداف تباعا.
عبقرية يايسله في شوط المدربين
لا يمكن اختزال الأمر في اللياقة فقط، فهنا يبرز دور العقل المدبر الألماني ماتياس يايسله، لقد أثبت هذا المدرب الشاب أنه قارئ من الطراز الرفيع لمجريات اللعب.
الشوط الأول بالنسبة ليايسله هو مرحلة لجمع المعلومات وكشف الثغرات، أما بين الشوطين، فتتحول غرفة الملابس إلى ورشة عمل تكتيكية.
يمتلك يايسله عينا ثاقبة تلاحظ أدق نقاط ضعف الخصم، فيقوم بتغيير التمركز، وتعديل المهام، والدفع بالأوراق الرابحة في التوقيت المثالي.
ما نراه في الشوط الثاني هو فريق تم إعادة برمجته تكتيكيا ليضرب الخصم في مقتل، مستغلا كل ثغرة تم رصدها في الشوط الأول.
الشراسة الهجومية.. من الهدوء للعاصفة
التحول الأكثر إثارة يكمن في العقلية الهجومية. فجأة، يتحول اللعب السلبي والتحضير البطيء إلى طوفان هجومي وشراسة لا ترحم. بمجرد أن يطلق الحكم صافرة بداية الشوط الثاني، يطبق الأهلي ضغطا عاليا في مناطق الخصم، ويحاصر المنافس في ثلث ملعبه الأخير.
هذه الشراسة، بقيادة إيفان توني ورفاقه، لا تكتفي بتعديل النتيجة، بل تبحث عن المزيد، محولة المباراة إلى حصة تدريبية هجومية، ومثبتة أن الأهلي في نسخته الحالية يمتلك شخصية البطل الذي لا ييأس، بل يعاقب كل من يجرؤ على التقدم عليه.
ريمونتادرا معتادة
ولم تكن هذه هي المرة الأولى خلال الموسم الحالي التي تشهد نجاح الأهلي في تحقيق الريمونتادا، حيث سبق أن تمكن من قلب الطاولة على ناساف الأوزبكي في مستهل مشوار النسخة الجارية من دوري أبطال آسيا للنخبة.
"الراقي" تأخر وقتها بهدفين دون رد، قبل أن يسجل 4 أهداف ويحقق الفوز على ملعبه، وبعدها بأيام فقط، تأخر بثلاثية نظيفة ضد الهلال في الجولة الثالثة من دوري روشن؛ ولكنه استطاع إنهاء المباراة بالتعادل (3-3).
كما تأهل "الراقي" في نوفمبر الماضي إلى الدور نصف النهائي من بطولة كأس خادم الحرمين الشريفين، بفوزه على القادسية بركلات الترجيح (5-4)، بعد نهاية الوقتين الأصلي والإضافي، بنتيجة (3-3).
المباراة شهدت العديد من التقلبات، حيث تأخر الفريق بهدفين دون رد بتوقيع الإيطالي ماتيو ريتيغي والمكسيكي جوليان كينونيس، قبل أن يقلص الفارق عن طريق الإنجليزي إيفان توني.
ونجح في تسجيل ثالث الأهداف قبل نهاية الشوط الأول، عن طريق ريتيغي من ركلة جزاء، لتصبح الأمور أشد صعوبة على "قلعة الكؤوس".
وفاجأ الأهلي الجميع، بتسجيل هدفين في غضون 12 دقيقة عن طريق الفرنسي فالنتين أتانغانا والإيفواري فرانك كيسي عند الدقيقتين 61 و73 من الشوط الثاني، وبعدها تمكن "الراقي" من حسم ركلات الترجيح.
وأصبح الخليج أحدث ضحايا "ريمونتادا" الفريق الجداوي، وهو ما يبرهن العقلية الكبيرة التي تميز رجال المدرب الألماني ماتياس يايسله.
باختصار، الأهلي يقدم درسا في أن كرة القدم تُلعب حتى الثانية الأخيرة، وأن التحضير البدني والذهني والتكتيكي هو المثلث الذي صنع هذا التحول المذهل، موجها رسالة شديدة اللهجة لجميع الخصوم: احذروا غضب الراقي في الشوط الثاني.