في كرة القدم، لا تشتري الأموال الشخصية، ولا تصنع التعاقدات الرنانة فريقًا بين عشية وضحاها.
هذا هو الدرس القاسي والمجاني الذي قدمه النادي الأهلي السعودي لمضيفه الطموح نيوم في ليلة سقطت فيها كل الرهانات، وانكشفت فيها عورات الفريق الصاعد حديثًا لمقارعة الكبار.
المباراة التي انتهت بثلاثية نظيفة للراقي لم تكن مجرد هزيمة عابرة في سجل الدوري، بل كانت جرس إنذار صاخب يكشف أن مشروع نيوم لا يزال هشاً أمام أعاصير الفرق الجماهيرية، لأربعة أسباب وأخطاء كارثية دمرت الحلم قبل أن يبدأ.
1. غياب الانضباط.. تهوّر قلب الطاولة
لم يكن نيوم سيئاً بالكامل في البداية، لكن في المواجهات الكبرى الأخطاء الصغيرة عقابها فوري ومضاعف.
نقطة التحول الكارثية تمثلت في غياب الانضباط الذهني، الذي تجسّد في الطرد المجاني الذي تحصل عليه المدافع خليفة الدوسري.
هذا التهور لم يكلف الفريق لاعباً فقط، بل قصم ظهر المنظومة بالكامل، فاللعب بنقص عددي أمام فريق يمتلك جبهات هجومية فتاكة بقيادة رياض محرز وإيفان توني هو انتحار كروي.
البطاقة الحمراء لم تكن مجرد قرار تحكيمي، بل كانت إعلاناً عن انهيار التركيز، ما فتح شوارع في دفاعات نيوم استغلها الأهلي بلا رحمة.
2. العجز التكتيكي.. واستسلام القبطان
على الخط الجانبي، كان المشهد أكثر بؤساً، فكريستوف غالتييه، المدرب الذي صال وجال في ملاعب أوروبا، وقف عاجزاً تماماً أمام القراءة الفنية للألماني ماتياس يايسله.
لم يمتلك غالتييه أي خطة بديلة للتعامل مع النقص العددي أو لاحتواء الضغط العالي الذي مارسه الأهلي في الشوط الثاني.
والأكثر غرابة وإثارة للجدل، كان مشهد الهروب أو الاستسلام المبكر للمدرب قبل صافرة النهاية، في لقطة تعكس إفلاساً تكتيكياً ونفسياً.
بدلاً من بث الروح في لاعبيه للقتال حتى الرمق الأخير، بدا المدرب وكأنه يرفع الراية البيضاء، معترفاً بأن أوراق اللعب قد نفدت من بين يديه.
3. اختفاء القادة.. أين خبرة السنين؟
عندما تشتد العواصف، تبحث الجماهير عن القادة، وعن أصحاب الخبرات الطويلة، ونيوم تعاقد مع أسماء بحجم سلمان الفرج ومحمد البريك لهذه اللحظات تحديداً، لكن ليلة الأهلي شهدت اختفاءً تاماً لتأثير هؤلاء النجوم.
سلمان الفرج، المايسترو الذي اعتاد التحكم في إيقاع المباريات، تاه وسط الزحام ولم يستطع حماية الكرة أو تهدئة الرتم الهستيري للمباراة.
أما البريك، فقد غرق في طوفان الهجمات الأهلاوية من الأطراف. لقد أثبتت المباراة أن الأسماء الكبيرة وحدها لا تكفي لحماية الفريق إذا لم تكن مدعومة بمنظومة صلبة، وفشل قادة نيوم في حمل الفريق على أكتافهم في أصعب اختبار حقيقي واجهوه.

4. الفارق البدني.. انهيار أمام السرعات
أخيراً، كشفت المباراة عن فجوة بدنية مرعبة بين الفريقين. مع مرور الدقائق، ودخول المباراة في منعرجاتها الحاسمة، بدا لاعبو نيوم وكأنهم يركضون وأثقال في أقدامهم، فيما كان لاعبو الأهلي ينقضون في المرتدات بسرعة البرق.
هذا الانهيار البدني في الشوط الثاني جعل دفاع نيوم مستباحاً وعاجزاً عن مجاراة الانطلاقات السريعة والتحولات الخاطفة لنجوم الأهلي.
الفارق في اللياقة والسرعة كان العامل الحاسم الذي حوّل المباراة من منافسة ندية إلى حصة تدريبية هجومية للأهلي.
ختاماً، ثلاثية الأهلي ليست مجرد خسارة 3 نقاط، بل هي رسالة واضحة لإدارة ولاعبي نيوم، الطريق لمزاحمة الكبار يحتاج لأكثر من مجرد صفقات، يحتاج لروح، انضباط، ولياقة، وقادة يظهرون عندما يختبئ الجميع.