لم تكن الخسارة الدرامية للنصر أمام القادسية بهدفين لهدف في الجولة الثالثة عشرة مجرد كبوة عابرة في مشوار الفريق، بل كانت بمرتبة الزلزال الذي كشف عن تصدعات عميقة في جدار العالمي.
فبعد سلسلة من النتائج المخيبة التي بدأت بالتعادل مع الاتفاق ومرت بالخسارة من الأهلي وصولاً للسقوط الأخير، تغيرت نبرة التساؤلات في الشارع الرياضي والمدرج الأصفر من الترقب لموعد العودة الصدارة إلى الخوف الحقيقي من ضياع الدوري رسميًا في وقت مبكر جداً من الموسم.
المشهد الحالي: نزيف لا يتوقف
بلغة الواقع، يقف النصر الآن عند النقطة 31 تاركاً الهلال يغرد منفردًا في القمة، وتكمن الأزمة الحقيقية في التباين الصارخ بين النسق التصاعدي الثابت للمنافسين وبين الانهيار الفني الواضح لكتيبة المدرب جورجي جيسوس.
فالفريق فقد هويته الهجومية الكاسحة التي كان يتميز بها، وبات يعتمد بشكل مفرط على الحلول الفردية اليائسة، في ظل تفكك واضح بين خط الوسط والهجوم، وهو ما تجلى بوضوح في مواجهة القادسية، فقد سيطر النصر على الكرة استحواذاً بلا أي فاعلية تذكر، ليعاقبه الخصم بمرتدات قاتلة كشفت هشاشة المنظومة.
ديربي الهلال.. رصاصة الرحمة أو قبلة الحياة
تكتسب المباراة القادمة أمام الهلال أهمية قصوى تتجاوز كونها ديربي للسمعة، فهي نهائي مبكر سيحدد ملامح الموسم بالكامل، فالفوز فيها يعني للنصر أكثر من مجرد ثلاث نقاط، بل هو طوق نجاة لتقليص الفارق وكسر الهيبة الهلالية واستعادة الثقة المفقودة داخل غرفة الملابس، ما سيجعل النصف الثاني من الموسم سباقاً حقيقياً يثبت أن مشروع النصر لا يزال يتنفس.
في المقابل، ستعني الخسارة إكلينيكياً انتهاء المنافسة على لقب الدوري في شهر يناير 2026، بحيث سيجعل اتساع الفارق مسألة التعويض ضرباً من الخيال في ظل استقرار الزعيم، ليتحول موسم النصر المدجج بالنجوم إلى مجرد منافسة على المراكز المؤهلة أو دوري أبطال آسيا للنخبة وهو ما يعد فشلاً ذريعاً لمشروع بحجم النصر.
حالة الفريق: نجوم بلا روح وحارس في قفص الاتهام
على الصعيد الفني والنفسي، يعيش الفريق أزمة مركبة تظهر بوضوح على ملامح قائده كريستيانو رونالدو، الذي رغم تسجيله ومحاولاته المستمرة، يبدو معزولاً ومحبطاً أكثر من أي وقت مضى، وتفضح لغة جسده استياءً عميقاً من قرارات زملائه في الملعب.
وتتجسد هذه العشوائية في لقطات الأنانية التي ظهرت من نجوم مثل جواو فيليكس، الذي فضّل المراوغة في مناطق مزدحمة على التمرير الحاسم لزملائه، ما يعكس غياب الانضباط التكتيكي وطغيان النزعة الفردية على مصلحة المجموعة.
وما زاد الطين بلة هو الكارثة المستمرة في مركز حراسة المرمى، فقد أعاد الخطأ البدائي للحارس نواف العقيدي أمام القادسية فتح ملف الحارس الأجنبي على مصراعيه، إذ لا يمكن لفريق ينافس على الألقاب أن يتحمل هفوات مجانية تقتل مجهود الفريق بأكمله في لحظة واحدة.
تضع هذه المعطيات إدارة النصر أمام اختبار مصيري في الميركاتو الشتوي الحالي، فالفريق يصرخ طلباً لتدعيمات نوعية عاجلة تتجاوز الأسماء الرنانة لتلامس الاحتياجات الفعلية، وعلى رأسها التعاقد مع حارس مرمى عالمي من طراز رفيع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وترميم المنظومة الدفاعية التي تعاني بوضوح من بطء الارتداد وسوء التمركز.
هذا بالإضافة إلى الحاجة الملحة لتدخل إداري حازم لضبط غرفة الملابس وتقليص نفوذ الأنا لدى بعض النجوم لمصلحة اللعب الجماعي.
صحيح أن النصر لم يخسر الدوري حسابياً حتى الآن، لكن المعطيات تشير إلى أنه خسره منطقياً ونفسياً إذا استمر بهذا الأداء المتذبذب.
وتظل مواجهة الهلال هي الفرصة الأخيرة والفاصلة، فإما أن ينتفض العالمي ويقلب الطاولة ليعيد خلط الأوراق، وإما أن يرفع الراية البيضاء ويعلن نهاية موسم للنسيان، والكرة الآن في ملعب جيسوس واللاعبين قبل فوات الأوان.