ترامب: إسرائيل لم تقنعني قط بشن حرب على إيران
يدور الحديث حول تسوية هشة تلوح في الأفق بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وشركة "أنثروبيك" الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك إثر قطيعة حادة أشعلتها مخاوف أخلاقية حول منح الآلات سلطة اتخاذ قرارات مصيرية في ساحات المعارك، بحسب ما ورد عن صحيفة "التايمز" البريطانية.
وقد اندلع هذا الخلاف حينما أبلغ داريو أمودي، الرئيس التنفيذي للشركة، البيت الأبيض بقرار تقييد استخدام البنتاغون لتقنياته، مبرراً ذلك بغياب الرقابة البشرية الكافية، ومنطلقاً من إيمانه بضرورة حماية الديمقراطية عبر التكنولوجيا مع رفضه التام لتحويلها إلى أداة تقوّض القيم الإنسانية.
وتُعرّف "أنثروبيك" نفسها كقلعة تقنية أخلاقية، حيث انشق مؤسسوها عن شركة"أوبن إيه آي" سعياً وراء خوارزميات أكثر أماناً وحرصاً على البشرية، فيما يعكس اسمها اليوناني فلسفتها الراسخة بأن التكنولوجيا وُجدت لخدمة الإنسان لا لتمكين الآلة من الهيمنة على مقدرات حياته.
وبناءً على هذه المبادئ، اتسعت فجوة الخلاف قبيل اندلاع الحرب مع إيران، خاصة بعدما علم أمودي باستخدام نموذج "كلود" اللغوي في عملية القبض على رئيس فنزويلا؛ ما أثار قلقاً عميقاً لدى الشركة من انخراط نماذجها الذكية في مهام عسكرية تتجاوز حدود الدعم اللوجستي.
وعلى الصعيد الميداني، عمل البنتاغون طوال عقدين على تطوير ما يسمى "سلسلة القتل"، وهي منظومة تسرّع عمليات رصد الأهداف وتدميرها عبر الخوارزميات، غير أن أمودي يرى أن دمج تقنياته في هذه السلسلة يطمس الفواصل الأخلاقية ويجعل الحاسوب هو صاحب القرار النهائي.
ونتيجةً لدمج نموذج "كلود" في نظام "مايفن الذكي"، ارتفعت وتيرة العمليات العسكرية بشكل مرعب، حيث قفزت قدرة الجيش الأمريكي على ضرب الأهداف من مائة هدف يومياً إلى خمسة آلاف هدف، وذلك وفقاً لما أورده كتاب حديث حول فجر حرب الذكاء الاصطناعي.
وأمام هذا الانفجار التكنولوجي، رسم أمودي خطاً أحمر برفضه القاطع لاستخدام تقنياته في الأسلحة المستقلة تماماً أو في المراقبة الجماعية للمواطنين؛ ما دفع ترامب للاستشاطة غضباً، واصفاً مسؤولي الشركة باليساريين المتطرفين الذين يحاولون إملاء شروطهم على الجيش العظيم.
ولم يتوقف رد فعل ترامب عند الهجوم اللفظي، بل سارع إلى إدراج "أنثروبيك" ضمن القائمة السوداء، مانعاً إياها من الحصول على عقود البنتاغون، ومؤكداً في الوقت ذاته أن الولايات المتحدة لن تسمح لشركات "ذات توجهات تقدمية" برسم سياسات القتال أو التدخل في إستراتيجيات النصر.
وعقب هذا المنع بيوم واحد، وقعت كارثة إنسانية حين استهدف صاروخ "توماهوك" مدرسة إيرانية للبنات نتيجة خطأ في تحديد الهوية القتالية؛ ما أدى لوفاة 175 شخصاً، وهو ما عزز وجهة نظر أمودي حول ضرورة الحذر من اندفاع البيت الأبيض نحو تقنيات غير منظمة.
رغم هذا الصدام المرير، فرضت الوقائع الاقتصادية والأمنية على الطرفين الجلوس مجدداً إلى طاولة المفاوضات في البيت الأبيض الأسبوع الماضي، حيث اجتمع أمودي بكبار مسؤولي الإدارة لمناقشة خطر وجودي جديد يتجاوز حدود الحروب التقليدية، متمثلاً في نموذج "ميثوس" الفائق.
وتكمن خطورة نموذج "ميثوس" في قدرته الفائقة على اختراق أي نظام حاسوبي عالمي؛ ما قد يؤدي إلى انهيار المنظومات المصرفية الدولية، ولهذا السبب تسعى الشركة حالياً لمشاركة هذه التقنية مع عمالقة التكنولوجيا لترميم الدفاعات السيبرانية قبل إطلاق النموذج للعلن.
وفي ظل هذه التطورات، يرى مراقبون أن تحذيرات أمودي الكارثية قد تكون إستراتيجية تسويقية ذكية لرفع قيمة الشركة السوقية قبل طرحها المرتقب في البورصة، خاصة أن قيمتها قفزت مؤخراً لتصل إلى 800 مليار دولار رغم الخلافات السياسية العاصفة.
وبينت الصحيفة أن أمودي اختار مواجهة مباشرة قد تهدد مستقبله الاستثماري لكنها تمنحه هيبة أخلاقية، بينما بدأت سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، تستوعب حجم التهديد السيبراني وتدفع نحو تفاهم ينهي حالة القطيعة الحالية.
وبينما تستعين الشركة بشركات ضغط كبرى لترميم الجسور مع الإدارة الأمريكية، يظل السؤال معلقاً حول قدرة ترامب على تجاوز ضغائنه الشخصية، بينما تظل هذه "الهدنة القلقة" هي المحرك الأساسي لمستقبل التوازن بين القوة العسكرية وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.