وافقت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية على منح شركة ستارلينك ترخيصاً لتوسيع كوكبة الأقمار الصناعية الضخمة التابعة لها، في خطوة تهدف إلى تقديم إنترنت أسرع لملايين الأمريكيين، إلا أن القرار أثار تحذيرات علمية واسعة النطاق.
ويؤكد العلماء أن إضافة نحو 7500 قمر صناعي إضافي في مدارات غير محددة قد يكون لها تأثيرات واسعة، منها التأثير على الغلاف الجوي للأرض، وزيادة خطر التصادمات في طبقة الستراتوسفير المزدحمة.
ويعني الترخيص الجديد أن عدد أقمار ستارلينك في المدار سيقترب من 15 ألفا بحلول عام 2031، ما يثير مخاوف العلماء من الاعتماد المفرط على الاتصالات الصناعية وإمكانية تفاقم المخاطر في الفضاء المنخفض.
تشير البيانات الحالية إلى وجود نحو 40 ألف جسم في الفضاء خاضع للرصد من قبل شبكات المراقبة الفضائية مثل ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية، في حين يُقدر عدد الأجسام الفضائية القادرة على إحداث أضرار كارثية بأكثر من 1.2 مليون جسم.
في ظل هذه الأوضاع، يبرز سيناريو "متلازمة كيسلر"، وهو تسلسل افتراضي من الأحداث تبدأ بتصادم جسم فضائي بآخر، مخلفاً المزيد من الحطام، حتى يصبح مدار الأرض مزدحماً بدرجة تمنع الأقمار الصناعية من العمل بشكل آمن.
ولضمان تجنب هذه الكوارث، تشترط شركة سبيس إكس إجراء مناورات تصحيحية عندما يكون احتمال الاصطدام 3 من 10 ملايين، ورغم هذا الحد الأعلى، نفذت أقمار ستارلينك 144,404 مناورات لتخفيف المخاطر خلال الستة أشهر المنتهية في مايو 2025، بزيادة حوالي 200٪ عن الفترة السابقة.
ويرى خبراء أن ارتفاع عدد المناورات يُعد سلاحاً ذو حدين؛ فبينما مكّن الشركة من تفادي الاصطدامات حتى الآن، فإن زيادة الحركة تجعل من الصعب على المشغلين الآخرين تحديد مواقع الأقمار الصناعية بدقة.
تدوم أقمار ستارلينك عادة خمس سنوات قبل إخراجها من مدارها لتتجه نحو الغلاف الجوي للأرض للاحتراق. ووجدت دراسة ممولة من وكالة ناسا ونشرت في عام 2024، أن قمراً صناعياً يزن 550 رطلاً يطلق حوالي 66 رطلاً من جزيئات أكسيد الألومنيوم النانوية أثناء دخوله الغلاف الجوي.
ومع ارتفاع وزن أقمار الجيل الثاني التي وافقت عليها لجنة الاتصالات إلى نحو 1800 رطل، يتضاعف حجم الانبعاثات المحتملة، وهو ما قد يغير بشكل كبير تكوين طبقة الستراتوسفير. ورغم أن التأثير النهائي لهذه الانبعاثات لا يزال قيد الدراسة، إلا أن العلماء يعتقدون أن الزيادة الهائلة في عدد الأقمار المسقطة ستترك أثراً ملموساً على الغلاف الجوي للأرض.
وفي جانب آخر، أشار ساشا مينراث، أستاذ الاتصالات في جامعة ولاية بنسلفانيا، إلى أن زيادة عدد الأقمار في المدار المنخفض تزيد من مخاطر تأثير العواصف الشمسية عليها. ووفقاً لما ذكره مايكل نيكولز، نائب رئيس هندسة ستارلينك، ستقوم الخدمة خلال عام 2026 بخفض ارتفاع 4400 قمر صناعي من 342 ميلاً إلى 298 ميلاً فوق سطح الأرض، بينما يتيح الترخيص الجديد النزول إلى ارتفاع 211 ميلاً فقط.
وحذر باحثون في جامعة كاليفورنيا، إرفاين، من أن آثار العواصف الشمسية على الأقمار في المدار الأرضي المنخفض قد تؤدي إلى تدهور أداء الشبكة وخروج الأقمار عن مدارها في الحالات القصوى. إذ إن مقاومة الغلاف الجوي تدفع الأقمار لتعديل ارتفاعها تلقائياً، ما يستلزم سلسلة تعديلات متتابعة من الأقمار المجاورة، تستغرق أياماً لاستعادة الاستقرار.
وأوضح الباحثون أن "الخوارزميات الذاتية، المصممة لتحسين العمليات الاعتيادية، قد تضخم تأثير العواصف عن غير قصد من خلال إطلاق سلسلة من التعديلات المدارية المتتابعة".
وتجدر الإشارة إلى أن توسيع كوكبة ستارلينك بهذا الشكل يعكس استراتيجية سبيس إكس لتوفير الإنترنت العالمي، لكنه يفتح الباب أمام تحديات بيئية وتقنية لم يسبق لها مثيل.
فبينما يسعى الترخيص إلى تعزيز الخدمة للمستخدمين، يحذر العلماء من أن الازدحام في المدار، والانبعاثات الناتجة عن الأقمار الصناعية، ومخاطر العواصف الشمسية، كلها عوامل قد تؤثر على الاستدامة المستقبلية للفضاء المنخفض حول الأرض، وتزيد من تعقيد إدارة الحركة المدارية لكافة المشغلين.