بينما يتجه ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ والغرف المحصنة عند انطلاق صفارات الإنذار، تتحرك طبقة أخرى من الدولة نحو وجهة مختلفة تماماً، وهي مراكز القيادة المحصنة عميقاً تحت الأرض، والتي صُممت لتستمر في إدارة الحرب حتى في حال تعرض المدن الإسرائيلية لقصف واسع أو هجوم استراتيجي.
هذه المرافق ليست مجرد ملاجئ تقليدية، بل منظومة متكاملة من مراكز القيادة العسكرية والسياسية التي تسمح للحكومة والجيش بمواصلة إدارة العمليات في أسوأ السيناريوهات، بما في ذلك انقطاع الاتصالات أو تعرض البنية التحتية المدنية لضربات قاسية.
وتشير دراسات صادرة عن مراكز بحثية إسرائيلية وغربية، من بينها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) ومركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية، إلى أن إسرائيل طورت منذ عقود شبكة معقدة من هذه المنشآت السرية في إطار ما تسميه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية "استمرارية الدولة في زمن الحرب".
قلب القيادة تحت تل أبيب
أحد أشهر هذه المواقع هو مركز القيادة العسكري المعروف داخل المؤسسة العسكرية باسم الحفرة أو "البور".
ويقع هذا المركز تحت مجمع وزارة الدفاع في الكرياه وسط تل أبيب، وهو المجمع الذي يوصف غالباً بأنه" البنتاغون الإسرائيلي" لأنه يضم القيادة العليا للجيش.
ويحتوي هذا المركز المحصن على غرف القيادة والسيطرة، ومركز إدارة العمليات العسكرية، إضافة إلى قاعات اجتماعات المجلس الأمني المصغر التي تُستخدم خلال الحروب والأزمات الكبرى.
وبحسب تحليلات نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فإن هذا الموقع صُمم ليبقى قادراً على إدارة العمليات العسكرية حتى في حال تعرض تل أبيب لهجوم صاروخي واسع.
وقد استُخدم هذا المركز خلال عدة حروب وعمليات عسكرية كبرى، من بينها حرب لبنان عام 2006، والحروب المتكررة مع غزة، إضافة إلى العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة منذ عام 2023.
الجبل الذي يخفي حكومة كاملة
لكن مركز القيادة في تل أبيب ليس الموقع الوحيد.
ففي شمال إسرائيل تشير تقارير بحثية وإعلامية إلى وجود مجمع قيادة حكومي داخل جبل الكرمل قرب مدينة حيفا، بُني خلال سنوات الحرب الباردة ليكون مركز قيادة بديل للحكومة الإسرائيلية في حال تعرض تل أبيب لضربة استراتيجية.
ووفق تقديرات نشرها مركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية، يضم هذا المجمع بنية تحتية تسمح بإدارة الحكومة في حالات الطوارئ، بما في ذلك غرف قيادة حكومية وأنظمة اتصالات عسكرية محصنة ومراكز إدارة الأزمات.
ويُعتقد أن هذا الموقع قادر على استيعاب مئات المسؤولين العسكريين والمدنيين لفترات طويلة، ما يسمح باستمرار عمل الدولة حتى في ظروف الحرب الشاملة.
مراكز الطوارئ تحت القدس
إلى جانب هذه المنشآت، توجد أيضاً مرافق أخرى مرتبطة بإدارة الطوارئ الوطنية في منطقة جبال القدس.
وتشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى وجود مركز يُعرف باسم "مركز إدارة الأزمات الوطنية" تديره الجهات المسؤولة عن التنسيق بين المؤسسات الأمنية والحكومية خلال حالات الطوارئ.
وقد صُمم هذا المركز ليواصل العمل حتى في السيناريوهات الأكثر تعقيداً، مثل انقطاع الكهرباء على مستوى الدولة أو تعرض المدن لهجمات صاروخية واسعة أو تعطّل البنية التحتية المدنية.
وتم ربط هذه المراكز بشبكات اتصالات محصنة تضمن استمرار التنسيق بين الجيش والحكومة وأجهزة الطوارئ.
عقيدة البقاء في زمن الحرب
تعود جذور هذه البنية التحتية إلى الدروس التي استخلصتها إسرائيل من الحروب السابقة، خصوصاً حرب عام 1973، حين أدركت المؤسسة الأمنية أن قيادة الدولة يجب أن تكون قادرة على إدارة الحرب حتى في حال تعرض المدن الرئيسية للقصف.
ومنذ ذلك الحين أصبح إنشاء مراكز قيادة تحت الأرض جزءاً أساسياً من العقيدة الدفاعية الإسرائيلية.
فوفق تحليل صادر عن مؤسسة RAND، طورت إسرائيل منظومة قيادة وسيطرة مصممة للعمل في بيئة حرب شديدة التعقيد، تشمل احتمال التعرض لهجمات صاروخية كثيفة أو حرب إلكترونية أو تعطيل شبكات الاتصالات المدنية.
لكن المفارقة التي تكشفها الحرب الأخيرة أن إسرائيل، رغم امتلاكها شبكة قيادة محصنة عميقاً تحت الأرض، لا تزال تواجه فجوات في حماية بعض المناطق المدنية.
فبينما تمتلك القيادة السياسية والعسكرية ملاجئ شديدة التحصين، تشير تقارير رسمية إلى أن ملايين المدنيين لا يملكون وصولاً فورياً إلى غرف محصنة.
وهنا يبرز سؤال حساس في النقاش الداخلي الإسرائيلي: هل بُنيت إسرائيل أخرى تحت الأرض لضمان استمرار القيادة، أم لحماية المجتمع كله عندما تبدأ الصواريخ بالسقوط؟