يستحضر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أحداث "بيرل هاربر" – ولو من باب المداعبة – لتسويق منطق الهجمات المباغتة.
وبحسب تحليل نشرته مجلة "نيوزويك" الأمريكية، يتبنى ترامب خطابًا هجومياً يحاكي روح "وينستون تشرشل" القائمة على النصر المطلق، ويعيد صياغة أزمات العالم المعاصر بلغة استعارها من ملاحم الأربعينيات، محاولاً إسقاطها على تعقيدات المشهد الإيراني في عام 2026.
وفي سياق متصل، انعكست هذه الرؤية التاريخية بحدة على علاقات واشنطن مع أقرب حلفائها. فقد وصف ترامب موقف رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بـ "المخيب للآمال" إثر رفضه إرسال حاملات طائرات إلى الشرق الأوسط.
ولم يتوقف عند النقد السياسي، بل قارن ستارمر بالزعيم البريطاني التاريخي قائلاً: "للأسف، كير ليس وينستون تشرشل".
ولم تقتصر هذه الحدة على بريطانيا فحسب، بل طالت بقية حلفاء "الناتو"، الذين وصفهم ترامب بـ "الجبناء" لرفضهم المشاركة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز.
وتعكس هذه التصريحات فجوة عميقة في فهم طبيعة التحالفات الدولية بين البيت الأبيض والقارة العجوز، حيث يرى ترامب أن الحلفاء يجب أن ينخرطوا في القتال دون تردد.
من زاوية أخرى، ينظر ترامب إلى إيران بوصفها "عدواً وجوديًا" يتجاوز توصيف الدولة الإقليمية المارقة. يضعها الرئيس الأمريكي في مرتبة "قوى المحور" التي واجهها الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.
ويرى ترامب أن التراخي في مواجهة طهران اليوم سيقود إلى كارثة محققة غدًا، وهو منطق يبرر به استراتيجية "الضغوط القصوى".
وبناءً على ذلك، لا تمثل العقوبات الاقتصادية والعزلة الدبلوماسية في نظر ترامب أدوات للمقايضة، بل هي آلات حرب تهدف إلى انتزاع استسلام كامل. لا مكان في قاموسه لـ "التعايش" مع النظام الإيراني، بل الهدف النهائي هو "الهزيمة" الفورية، تمامًا كما انتهت حروب القرن الماضي بانتصار ساحق لا يقبل التأويل.
وعلى صعيد التحركات الميدانية، تجلّى هوس ترامب بالمفاجأة العسكرية خلال رده على تساؤلات حول الضربة الجوية الضخمة التي استهدفت إيران في الثامن والعشرين من فبراير/شباط الماضي.
وعندما استفسر صحفي ياباني عن غياب التنسيق مع الحلفاء، أجاب ترامب بتهكم: "من يعرف عن عنصر المفاجأة أكثر من اليابان؟ لماذا لم تخبروني بشأن بيرل هاربر؟".
ورغم ما أثاره هذا التصريح من ذهول في الأوساط الدبلوماسية، إلا أنه كشف عن إيمان راسخ بجدوى "الضربة الأولى".
ويعتقد ترامب أن الصراعات لا تُحل إلا بالفعل المباغت الذي يشل قدرة الخصم، وهي استراتيجية يراها ناجعة بغض النظر عن تبعاتها السياسية أو اعتراضات الشركاء الدوليين.
بيد أن هذا النهج يصطدم بواقع جيوسياسي مغاير تمامًا؛ فإيران اليوم لا تشبه ألمانيا النازية ولا اليابان الإمبراطورية في هيكليتها.
وتدور حروب القرن الحادي والعشرين في ساحات مفتوحة، وتتسم بكونها صراعات غير متماثلة ومقيدة بتشابكات اقتصادية تجعل من الصعب حسمها بضربة واحدة كما كان الحال في عام 1945.
إلى جانب ذلك، بلغت الحدة ذروتها بين واشنطن ولندن حين اتهم ترامب ستارمر بالتردد في منح الولايات المتحدة حق استخدام قاعدة "دييغو غارسيا" لضرب أهداف إيرانية. يرى ترامب في حذر بريطانيا "ضعفًا" لا يليق بوريثة تشرشل، بينما يصر ستارمر على التمسك بالعمل الجماعي ورفض الانجرار إلى حرب شاملة.
وتعكس هذه المشاحنات انقسامًا أطلسيًا حادًا؛ فبينما يطالب ترامب بتبعية عسكرية كاملة، تسعى القوى الأوروبية إلى حلول متوازنة. يهمش منطق ترامب دور التحالف الدولي الذي كان ركيزة النصر التاريخي، وهو ما يجعل سياسته الخارجية تفتقر إلى "التحالف التشرشلي" الحقيقي رغم استعارتها لخطاباته.
وتوضح سياسة ترامب تجاه إيران أننا أمام استراتيجية صاغها "التاريخ الملحمي" أكثر من الحسابات المعاصرة. الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في عدم دقة القياس التاريخي، بل في أن هذا النهج يدفع السياسة الدولية نحو حافة الهاوية، متبنيًا نموذجًا للصراع قد لا يجد مكانًا له في عالم يزداد تعقيدًا وتشظيًا.