في وقت تصوب فيه البوارج الأمريكية فوهاتها نحو المواقع الإيرانية، تترقب المنطقة لقاء عُمان، الذي يفترض أن يطلق مفاوضات غير مباشرة بين مبعوث الرئيس الأمريكي، ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
هذا الاجتماع، الذي يحاط بسرية وتنسيق تركي–عربي–روسي، لا يبدو مسارًا لسلام دائم، بل هو آلية احتواء لمنع انفجار إقليمي وشيك، وسط حشد عسكري أمريكي هو الأضخم في المنطقة.
ويسبق الاجتماع المرتقب توجه واضح نحو إدارة الأزمة بدلاً من إنهائها، حيث يسعى الطرفان لصياغة تفاهمات جزئية ومرحلية تهدف إلى خفض المخاطر.
ويرتكز هذا المسار على "تجميد متبادل"، يقضي بوقف التصعيد النووي والإقليمي مقابل تخفيف اقتصادي محدود، دون أن تهدف هذه المحادثات إلى تسوية استراتيجية شاملة أو طويلة الأمد، بل تظل مجرد أداة لمنع الانفجار الوشيك.
ويدخل الطرفان جولة المباحثات بملفات مثقلة بأوراق الضغط، حيث يرتكز ملف المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف على استراتيجية "الحشد العسكري الميداني" كأداة ردع أولى، مدعومة باستمرار العقوبات الخانقة، مع التلويح بـ"جزرة" الإفراج الانتقائي عن الأموال المجمدة ومنح استثناءات تصدير محدودة، رهنًا بحدوث خرق حقيقي في جدار الأزمة.
في المقابل، يراهن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على "الابتزاز التقني" عبر التقدم في البرنامج النووي، وتحريك ورقة "الوكلاء المسلحين" في اليمن والعراق ولبنان لتهديد أمن الطاقة والملاحة الدولية. كما يستند عراقجي إلى ظهير دولي يتمثل في الدعم السياسي والاقتصادي من روسيا والصين، لتعزيز موقف طهران في مواجهة الضغوط الأمريكية.
ويقول مصدر دبلوماسي أمريكي رفيع المستوى، إن الاجتماع حتى الآن متوقع وليس مؤكدا؛ لأن المفاوض الأمريكي يريد قبل الانعقاد، أن تكون هناك موافقة إيرانية على جدول أعمال حول تسليم اليورانيوم المخصب ووقف أعمال القمع ضد المحتجين والإفراج عن المعتقلين بالدرجة الأولى.
وبين الدبلوماسي الأمريكي لـ"إرم نيوز"، أن هناك نقاطا مطلوبا أن توافق طهران على وضعها على جدول الأعمال، ومن ثم التحول الى النقاط الأخرى الخاصة بالمفاوض الإيراني.
وأفاد الدبلوماسي الأمريكي بأن ترامب وضع أساسيات للوفد الذي يترأسه ويتكوف في هذا اللقاء المنتظر خلال التعامل مع الجانب الإيراني، وهو عدم المجاراة مع هذه الاجتماعات في حال عدم وضع محددات وضمانات تتعلق بوقف التخصيب ونقل اليورانيوم والمنظومة الصاروخية، حتى يكون هناك تفاوض عبر وسطاء دوليين في دائرة أوسع.
ووفقاً للمصدر الدبلوماسي، تصر واشنطن على أن يكون لقاء إسطنبول محطة لوضع أسس صحيحة ونهائية قبل الانخراط في أي مسار تفاوضي معمق.
وتستهدف الإدارة الأمريكية من هذه الصرامة قطع الطريق أمام ما وصفته بـ"مسلسل التلاعب الإيراني"، ورفض سياسة الالتفاف على الشروط التي ميزت جولات سابقة، مؤكدة أنها لن تسمح بتحويل المفاوضات إلى "عملية مملة" تهدف فقط إلى كسب الوقت دون تقديم تنازلات حقيقية.
وكشف الدبلوماسي الأمريكي أن ستيف ويتكوف يدخل الاجتماع متسلحًا بورقة "الحشد العسكري الشامل"؛ حيث يعتزم التلويح بمعلومات استخباراتية دقيقة حول قدرات واشنطن "الداخلية" وجاهزيتها للمواجهة المباشرة لردع طهران. في المقابل، تتركز أوراق عراقجي حول التهديد المباشر لأمن إسرائيل والمصالح الأمريكية الحيوية في الشرق الأوسط، في محاولة لفرض معادلة مقايضة أمنية.
وعلى الصعيد الإنساني، أكد المصدر أن ملف "الإعدامات والمعتقلين" سيتصدر الطاولة، حيث ستضغط واشنطن لإنهاء الوضع المأساوي في الداخل الإيراني، والمطالبة بتراجع فوري للقوات الأمنية عن سياسات القمع والأحكام الصادرة في الساحات العامة، كجزء لا يتجزأ من أي تفاهم مستقبلي.
وتصاعدت في الفترة الأخيرة وفقا لخبراء، 3 مؤشرات ضغط متصاعد، وهي ارتفاع نسب التخصيب ومخزونات المواد الحساسة، وتوسع نشاط الأذرع الإيرانية في مسارح العراق ولبنان واليمن، في ظل خشية أمريكية وأوروبية من إنزلاق كبير لمواجهة إقليمية واسعة تؤثر على الطاقة والملاحة والتوازنات الانتخابية في بلدان غربية.
وفي هذه الأثناء، أكد خبراء لـ"إرم نيوز"، أن النوايا الأمريكية تتمحور في السعي لتحقيق أهداف منها تجميد فوري للتصعيد النووي الإيراني ومنع بلوغه العتبة العسكرية ونقل اليورانيوم المخصب إلى روسيا وهو ما يحتاج إلى نقاش معمق مع طهران.
ولفتوا إلى عمل واشنطن في الاجتماع على خفض مستوى الهجمات غير المباشرة على القوات والمصالح الأمريكية بالإقليم وأيضا تأمين خطوط الطاقة والملاحة البحرية وتحقيق اختراق إنساني سياسي في ملف المحتجزين في إيران، لتبرير هذا المسار أمام الداخل الأمريكي.
ويحمل تقدير النوايا الإيرانية، على حد قول الخبراء، مؤشرات على أن طهران تنظر إلى المفاوضات كأداة كسر العزلة الاقتصادية وتخفيف ضغط العملة والشارع الداخلي إضافة إلى الرغبة في استمرار شراء الوقت، لاستكمال التطوير النووي والصاروخي التكنولوجي.
ويقول الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور محمد بايرام، إن المعطيات المتقاطعة تدور حول تحرك دبلوماسي أمريكي إيراني منخفض الوتيرة، وأضاف في حديث لـ"إرم نيوز"، أن عقد هذه المحادثات محاط بدعم من دول شرق أوسطية وروسيا والهدف احتواء احتمالات التصعيد العسكري الأيام القادمة في المنطقة وليس التوصل إلى اتفاق شامل.
وبحسب بايرام، فإن أوراق ويتكوف تدور حول استمرار العقوبات المالية والنفطية على إيران، حال عدم حدوث أي اختراق أو تقدم، وأيضا إمكانية الإفراج الإنتقائي عن أموال مجمدة واستثناءات تصدير محدودة حال وجود تطور في المحادثات.
ومن بين الأوراق الأمريكية، وفقا لـ"بايرام"، التلويح بما يسمى "الدعم الأوروبي" المنسق لتجديد الضغوط القانونية والاقتصادية، وردع عسكري موضعي في ظل جاهزية البوارج والسفن الحربية وفوهات مدافعها مصوبة نحو المواقع الإيرانية، لافتا إلى أن واشنطن تسعى إلى صفقة مرحلية قصيرة الأمد بدلا من اتفاق شامل.
وأشار بايرام إلى أن أوراق عراقجي التفاوضية، التقدم التقني في البرنامج النووي وشبكة الوكلاء المسلحين في ساحات اليمن والعراق ولبنان، والقدرة على تهديد الطاقة والملاحة بشكل غير مباشر، والدعم السياسي والاقتصادي من روسيا والصين.
ويتوقع بايرام تجنب طهران التنازلات الاستراتيجية مع الاكتفاء بخطوات شكلية في إشارة إلى البرنامج النووي الذي يستحيل ذهاب إيران إلى الموافقة على إيقاف شامل له، ولكن هناك خطوات ستتخذ تجاه هذا الموضوع والإيرانيون جاهزون لذلك.
وتناول بايرام الملفات المتوقع بحثها بحسب المعطيات، وهي التخصيب ومستويات المخزون النووي، وآليات الرقابة التقنية للوكالة الدولية، وتخفيف أو تعليق جزئي للعقوبات النفطية والمصرفية، وتبادل المحتجزين، وقواعد الاشتباك بين طهران ووكلائها مع إسرائيل، ونقل اليورانيوم المخصب من إيران.
ويعتقد بايرام وجود 3 مسارات محتملة للمباحثات، الأقرب تجميد مقابل تجميد، يحمل تخفيف عقوبات محدودا وانخفاضا نسبيا للتوتر، وضربات ردعية باحتمال متوسط، وأما المسار صاحب الأسهم الضعيفة بسبب القيود الداخلية للطرفين، الذهاب إلى اتفاق نووي موسع نووي شبيه لما جرى في 2015 .
ويرى بايرام في هذا المشهد، أن المفاوضات ليست مسار سلام شامل بل آلية لإدارة المخاطر والطرفين لا يثقان ببعضهما ولكن يتفقان على أن العملية المفتوحة مكلفة.
وبدوره، اعتبر الباحث في الشؤون الإقليمية، عماد الشدياق، أن هذه الفرصة تُعدّ الأخيرة أمام إيران من أجل إظهار حسن النية والاستعداد لتلبية شروط واشنطن أولًا والمجتمع الدولي ثانيًا، مشيرًا إلى أنه إذا كان النظام في طهران يناور من خلال هذه المفاوضات من أجل كسب الوقت، فإنه بذلك يفتري على نفسه، وفق تعبيره.
وأوضح الشدياق لـ"إرم نيوز"، أن التحضيرات العسكرية الأمريكية في المنطقة أصبحت شبه مكتملة وجاهزة، مؤكدًا أن هناك معلومات تفيد بأن التحضير للضربة لا يحتاج سوى بعض اللمسات الأخيرة، قبل معاينة ما يمكن أن تقدمه طهران.
ولفت إلى أن ما يطرحه ترامب على النظام الإيراني صعب جدًا، إذ يطلب منه التخلي عن المشروع النووي، والتخلي عن برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف التدخل في الدول العربية من خلال الأذرع، وهناك حتمية حال التفاوض الموافقة على شروط واشنطن فيما يخص البرنامج النووي.
واستطرد الشدياق بأن واشنطن قد تتفهم في موضوع صناعة الصواريخ على مدى معين، لكن التوقف عن التدخل في شؤون الدول العربية من خلال الميليشيات، سواء في العراق أو في لبنان أو في جزء بسيط من سوريا أو في اليمن، يبقى أمرًا صعبًا.
وذكر الشدياق أن بعض المعلومات المتداولة الصادرة عن مقربين من طهران، تعتبر أن الضربة الأمريكية على إيران قد تكون أسهل من التنازل، موضحا أنه خلال الساعات الماضية، أُعلن عن دعوة العديد من الدول العربية، لحضور هذه الاجتماعات.