يتجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نحو تعيين رئيس وزراء جديد خلال اليومين المقبلين، في خطوة تُنهي التهديد بإجراء انتخابات برلمانية مبكرة وتمنح الطبقة السياسية فسحة لالتقاط الأنفاس وسط أزمة مالية متصاعدة.
وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، يأتي هذا التحول بعد أسابيع من التوتر السياسي الحاد الذي فجرته استقالة رئيس الوزراء السابق سيباستيان ليكورنو بشكل مفاجئ؛ ما وضع فرنسا على حافة شلل حكومي جديد.
إعادة ضبط سياسية لتفادي الانقسام
يعكس قرار ماكرون بالتخلي عن التلويح بحل الجمعية الوطنية إدراكه لخطورة الوضع الراهن في ظل برلمان منقسم إلى ثلاث كتل متناحرة، جعلت إدارة البلاد أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى منذ تأسيس الجمهورية الخامسة.
فمنذ الانتخابات التشريعية المبكرة التي دعا إليها ماكرون العام 2024، باتت الجمعية الوطنية الفرنسية الأكثر تجزؤًا في تاريخها الحديث، حيث لم يعد لأي حزب أغلبية واضحة.
وتوزعت القوى السياسية بين معسكر يساري يضم «فرنسا المتمردة» والاشتراكيين، وكتلة وسطية يقودها حزب ماكرون وحلفاؤه المحافظون، ويمين متطرف بزعامة مارين لوبان التي تسعى إلى استثمار الأزمة لتقويض شرعية الرئيس نفسه.
كما جاءت استقالة ليكورنو بعد خلافات حول تشكيل الحكومة الجديدة ومحاولاته الفاشلة لإيجاد توازن بين هذه القوى، لكن ماكرون كلّفه بمحاولة أخيرة لإقناع الأحزاب بتمرير الميزانية قبل نهاية العام، وهي المهمة التي دفعت ليكورنو للعودة إلى قصر الإليزيه مساء الأربعاء حاملاً تطمينات بأن هناك فرصة لتسمية رئيس وزراء جديد خلال 48 ساعة.
وقال ليكورنو في مقابلة متلفزة: «أشعر بإمكانية المضي قدمًا. لقد أخبرت الرئيس أن احتمال حل البرلمان يتضاءل»، وهو ما أكده مكتب ماكرون لاحقًا، مشيرًا إلى أن الهدف هو إخراج فرنسا من حالة الشلل السياسي التي تهدد قدرتها على ضبط ماليتها العامة.
أزمة مالية تضغط على القرار السياسي
يمثل العجز المالي المتنامي لفرنسا المحرك الأساسي وراء تحركات ماكرون الأخيرة؛ فبعد سنوات من الإنفاق المرتفع، تواجه البلاد مستويات غير مسبوقة من الديون وتكاليف الاقتراض، تقارب تلك التي تشهدها اقتصادات هشة في منطقة اليورو.
وقد فشل أربعة رؤساء وزراء متعاقبين في إقرار إصلاحات مالية مستدامة أو تمرير ميزانيات تحظى بدعم برلماني كافٍ.
ويتمثل التحدي الأكبر أمام الحكومة الجديدة في تمرير الميزانية المقبلة دون إثارة اضطرابات اجتماعية أو سياسية، خصوصًا في ظل الجدل المستمر حول إصلاح نظام التقاعد الذي رفع سن الإحالة إلى المعاش من 62 إلى 64 عامًا العام 2023.
كما تطالب الأحزاب اليسارية بتجميد هذا الإصلاح مقابل دعم الحكومة، لكن هذا الخيار يبدو شبه مستحيل بالنسبة لماكرون.
فبحسب مجتبى رحمن، رئيس قسم أوروبا في شركة «أوراسيا» لاستشارات المخاطر، فإن تعليق إصلاح التقاعد «سيكون تنازلًا مهينًا» للرئيس، وسيؤدي إلى زيادة العجز بنحو 3 مليارات يورو بحلول عام 2027، و13 مليارًا بحلول 2035، وفق تقرير هيئة التدقيق المالي الفرنسية.
وفي المقابل، يعتبر حزب «الجمهوريين» المحافظ أي تراجع عن هذا الإصلاح «خطًا أحمر»، ما يجعل الخيارات المتاحة أمام ماكرون محدودة للغاية. وتؤكد عضو مجلس الشيوخ عن الحزب، أغنيس إيفرين، أن «التراجع عن إصلاح التقاعد سيقوض مصداقية الحكومة ويهدد استقرار الائتلاف».
معركة الثقة ومعارضة اليمين المتطرف
حتى في حال نجاح ماكرون في اختيار رئيس وزراء يحظى بقبول نسبي، فإن التحدي الحقيقي سيبدأ في الجمعية الوطنية، حيث تمتلك مارين لوبان وحزبها اليميني المتطرف أكبر عدد من المقاعد، وتصر على الدعوة لانتخابات جديدة أو استقالة الرئيس نفسه.
ورفضت لوبان لقاء ليكورنو هذا الأسبوع، مؤكدة أن «لا شيء يمكن مناقشته بعد الآن»، وأنها ستعارض أي حكومة جديدة ما لم يُحل البرلمان. وقالت للصحفيين بحدة: «لقد استمرت هذه النكتة لفترة طويلة بما فيه الكفاية».
وفي ظل هذا الانقسام، يبدو أن ماكرون يسعى إلى تشكيل حكومة تسوية محدودة، قادرة على تمرير ميزانية العام المقبل، واحتواء التوترات الحزبية دون المخاطرة بحل البرلمان الذي قد يعيد إنتاج الفوضى نفسها.
ويرى مراقبون أن ماكرون بات يفضل خيار «الاستقرار الهادئ» على المغامرة الانتخابية، خصوصًا بعد أن أثبتت تجربة 2024 أن أي اقتراع جديد قد يفاقم حالة الشلل ويمنح اليمين المتطرف موقعًا أقوى داخل البرلمان.
تحرك ماكرون لتعيين رئيس وزراء جديد يمثل خطوة تكتيكية تهدف إلى كسب الوقت واحتواء الانقسام الداخلي، أكثر من كونه تحولًا في التوجه السياسي؛ فالرئيس يدرك أن الانتخابات المبكرة قد تفتح الباب أمام سيناريو فوضوي يضعف فرنسا ماليًا وسياسيًا في مرحلة حساسة.
ومع ذلك، يبقى هذا الخيار محفوفًا بالمخاطر: فالتوفيق بين اليسار المطالب بتنازلات اجتماعية واليمين الذي يرفضها، مع معارضة يمينية متطرفة متربصة، يجعل مهمة رئيس الوزراء المقبل شبه مستحيلة.
ويراهن ماكرون على الوقت وعلى الإرهاق السياسي الذي أصاب خصومه، لكن دون إصلاح هيكلي حقيقي أو توافق واسع، فإن حكومته القادمة قد لا تكون سوى محطة انتقالية جديدة في طريق أزمة أطول.