أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلط أوراق النظام الدولي، من خلال تفكيك القواعد التي حكمته لعقود في هذا العالم غير المنظم، الذي لم تعد مكانة الدول تُحدد فيه بالالتزام بالقانون الدولي، أو حجم الاقتصاد، بل بقدرتها على فرض نفوذها بالقوة.
ولا ينظر ترامب إلى روسيا من زاوية العداء الأيديولوجي، بل كقوة نووية لا يمكن تجاهلها، وهو ما ظهر جلياً في مواقف عملية، أبرزها القبول الضمني بمناطق النفوذ الروسية، خاصة في أوكرانيا، حيث لم يُبدِ حماسة لتوسيع الناتو شرقًا.
وفي المقابل، أسهم نهج ترامب في تفكيك النظام القائم على القواعد، حيث تراجعت مكانة الأمم المتحدة، وتآكلت المعاهدات الدولية، وتحولت السياسة الأمريكية إلى سلسلة قرارات منفردة.
ومنح هذا الواقع لروسيا اعترافًا عمليًا بثقلها العسكري، لكنه في الوقت نفسه وضعها في إطار محدود، خاصة أنها قوة نووية قادرة على التأثير، لكنها عاجزة عن قيادة النظام الدولي في ظل ضعفها الاقتصادي، واستمرار العقوبات.
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، إبراهيم كابان، إن منطق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة الملفات الدولية، خاصة العلاقة مع روسيا، يقوم على حسابات الربح والخسارة، بعيدًا عن الاعتبارات الأيديولوجية أو منطق الصدام التقليدي.
وأكد في تصريحات خاصة لـ«إرم نيوز» أن إدارة ترامب لا ترغب في دفع الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع موسكو، لأن كلفة أي صدام ستكون أوروبية في المقام الأول، وهو ما سيعيد واشنطن إلى دور الحامي الأمني لأوروبا، ويفرض عليها أعباءً اقتصاديةً ضخمةً تحاول الإدارة الأمريكية تفاديها.
وأضاف كابان أن ترامب يتعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية بعقلية السوق، باعتبارها ملفاً قابلاً لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، لا مجرد صراع جيوسياسي تقليدي، مؤكدًا أن هذا النهج يعكس إستراتيجية أمريكية تسعى إلى إدارة الأزمات لا حسمها، بما يضمن استمرار النفوذ بأقل تكلفة ممكنة.
وأشار المحلل السياسي إلى أن موسكو لا تُعد قوة عظمى من حيث الاقتصاد، لكنها تمتلك صناعات عسكرية متقدمة تُصنف ضمن الأقوى عالميًا، مستندة إلى إرث صناعي ضخم ورثته عن الاتحاد السوفيتي ونجحت في تطويره.
وأوضح أن هذا الثقل العسكري يمنح روسيا قدرة على التأثير في التوازنات الأوروبية، ويسهم، بشكل غير مباشر، في إبقاء أوروبا تحت المظلة الأمنية الأمريكية.
وأكد كابان، أن هذا الواقع يخدم المصالح الأمريكية، إذ تستخدم واشنطن التهديد الروسي لدفع الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها العسكري داخل حلف شمال الأطلسي، وتعزيز مشاركتها في الإستراتيجيات الأمريكية، وهو ما يجعل روسيا، من هذا المنظور، عنصراً ضاغطاً يعزز النفوذ الأمريكي بدلًا من تقويضه.
من جانبه، أكد عضو مجلس الشرق الأوسط للسياسات في واشنطن، ماركو مسعد، أن دونالد ترامب يتعامل مع روسيا من منظور براغماتي غير تقليدي، بعيدًا عن منطق العداء الأيديولوجي، والتحالفات الثابتة التي لطالما حكمت السياسة الخارجية الأمريكية.
وأشار في تصريحات خاصة لـ«إرم نيوز»، إلى أن ترامب لا يرى روسيا كعدو دائم، بل كدولة تمتلك عناصر قوة يمكن التعامل معها وفق موازين المصالح، خاصة في ظل امتلاك الولايات المتحدة تفوقاً عسكرياً واقتصادياً وتحالفياً واضحاً.
وأكد أن هذا التفكير يطرح سؤالاً مركزياً لدى ترامب، لماذا الصدام إذا كان التعاون السياسي والاقتصادي ممكناً، ويحقق مكاسب متبادلة طالما بقي التفوق الأمريكي محفوظاً؟.
وأضاف مسعد أن هذه المقاربة تنعكس على مجمل رؤية ترامب للعلاقات الدولية، إذ لا يتعامل مع روسيا أو الصين بمنطق «نحن أو هم»، بل بمنطق التعاون المشروط المحكوم بحسابات دقيقة.
وتابع: «يفسر ذلك وجود قنوات تواصل خاصة بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث ينطلق الطرفان من براغماتية سياسية قائمة على المصالح لا على الأيديولوجيا».
في السياق ذاته، أوضح الدبلوماسي الأمريكي السابق باتريك ثيروس، أن مفهوم القوة العظمى في النظام الدولي، اليوم، يُقاس بالقدرة العسكرية والنووية، إلى جانب النفوذ الاقتصادي، وقوة التحالفات الدولية.
وأكد في تصريح لـ«إرم نيوز»، أن هذا التعريف لا ينطبق سوى على الولايات المتحدة والصين، بينما تظل روسيا، رغم امتلاكها ترسانة نووية ضخمة، قوة من الدرجة الثانية مقارنة بهاتين القوتين.
وأشار إلى أن امتلاك موسكو لأكبر عدد من الرؤوس النووية في العالم يمنحها تأثيراً سياسياً وأمنياً، لكنه لا يعوض الفجوات الكبيرة في الاقتصاد، والتحالفات الدولية.
وقال ثيروس، إن القوة العظمى لا تُقاس بعدد الأسلحة فقط، بل بالقدرة على التأثير في قرارات النظام الدولي، وصياغة السياسات الاقتصادية العالمية، فالصين تمتلك مزيجاً متكاملاً من الاقتصاد والنفوذ السياسي، وتتمتع الولايات المتحدة بتفوق تقني وعسكري شامل، يتيح لها فرض خياراتها في الأزمات الدولية.
وتابع: «أما روسيا فستظل لاعبًا مؤثرًا في الملفات الأمنية والنووية، لكنها تفتقر إلى الأدوات الاقتصادية والتحالفية التي تمكنها من توجيه المشهد الدولي بمفردها، وهو ما يرسخ موقعها كقوة مؤثرة ولكنها غير عظمى بالمعنى الشامل».