الخارجية التركية تستدعي السفير الإيراني لدى أنقرة
تعيش العواصم الأوروبية حالة من التأهب الأمني القصوى، حيث تحوّل القلق من تهديدات طهران إلى "خطر داهم" عقب الضربات الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة.
وفي تحقيق لمجلة "لكسبريس" الفرنسية، أكدت مصادر استخباراتية وجود خلايا نائمة أو ما وُصف بـ"القنابل البشرية الموقوتة" الجاهزة للتنفيذ داخل العمق الأوروبي، لا سيما في باريس وبرلين.
ورغم تأكيد التقارير فاعلية هذه العناصر، إلا أن التحدي الأكبر الذي يواجه أجهزة الاستخبارات يكمن في التنبؤ بـ"ساعة الصفر" أو تحديد الأهداف المحتملة، في ظل تداخل خيوط الصراع الإقليمي وتغير قواعد الاشتباك. هذا المشهد وضع الأجهزة الأمنية في سباق مع الزمن لتفكيك شيفرة هذه الخلايا قبل أن تتحوّل إلى عمليات انتقامية في قلب القارة العجوز.
يونيو/ حزيران 2024. تعتقل الشرطة الفرنسية بشير بيازار إيراني يقيم في ديغون منذ 2022. رجل هادئ الملامح، سبق أن عمل مديراً لقسم الموسيقى في التلفزيون الإيراني الرسمي، انتقل إلى فرنسا عبر لندن بذريعة لمّ شمل الأسرة.
غير أن المديرية العامة للأمن الداخلي (DGSI) كانت ترصده لأشهر قبل اعتقاله. الصورة الحقيقية كانت أشد خطورة: "عضو في فيلق القدس"، الذراع الضاربة للحرس الثوري خارج إيران، ومتهم بالتخطيط لعمليات ضد معارضين إيرانيين وأهداف يهودية وإسرائيلية على الأراضي الفرنسية.
هذه القضية ليست استثناءً بل نموذج لظاهرة أوسع. في اليوم ذاته الذي انطلقت فيه الضربات، أصدر وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز توجيهات بتعزيز الحماية حول "نقاط الاهتمام للأطراف المعنية"، مطالباً بـ"الإبلاغ الفوري عن أي عمل ذي تأثير، خاصة إن اتخذ طابعاً عنيفاً".
وحذّر مسؤول ألماني رفيع في صحيفة زودويتشه تسايتونغ من أن "تدابير انتقامية بما فيها خلايا إيرانية نائمة في أوروبا لا يمكن استبعادها"، فيما حدّد جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني (BFV) أهدافاً محتملة: منشآت قريبة من إسرائيل والولايات المتحدة، ومؤسسات يهودية كالمدارس والكُنُس.
الأرقام وحدها تُروي الحجم الحقيقي للتهديد. تحقيق "واشنطن بوست" الصادر في سبتمبر/ أيلول 2024 يكشف عن "88 عملية اغتيال وخطف ومؤامرة عنيفة مرتبطة بإيران في الغرب خلال 5 سنوات فقط، وهو رقم يتجاوز مجموع الأربعة عقود السابقة منذ ثورة 1979".
ومن أبرز هذه العمليات: محاولة اغتيال المعارض رهو الله زام الذي اختُطف من العراق العام 2019 وأُعدم، ومؤامرة لاغتيال الفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي أحبطتها الاستخبارات الغربية العام 2022، وكانت قيمتها 150,000 دولار دُفعت لعضو في عصابة هيلز أنجلز الألمانية.
هذا النهج الجديد يعكس تطوراً خطيراً في الأسلوب الإيراني: توظيف مجرمين عاديين وعصابات إجرامية كـ"وكلاء" لإخفاء البصمة الإيرانية وإنكار المسؤولية عند الفشل.
الذاكرة الأمنية الفرنسية تستدعي ألم الماضي. بين عامَي 1985 و1986، نفّذ النظام الإيراني عبر واجهة "لجنة التضامن مع السجناء السياسيين العرب" 14 هجوماً بالقنابل في قلب باريس: غاليري لافاييت، محطة شاتليه، برج إيفل، محطة ليون، لا ديفانس.
والحصيلة: 13 قتيلاً وأكثر من 300 جريح. وفي العام 1991، اغتيل رئيس الوزراء الإيراني الأسبق شابور بختيار في باريس بعملية نفّذها كوماندوز إيراني بدعم من خلايا نائمة.
يقول ماتيو غاديري، العميل السابق في مكافحة التجسس الفرنسية آنذاك: "في تلك القضية اكتشفنا أن إيران تعتمد على شبكات نائمة، وهو ما لم نكن نعلمه".
السؤال الذي يقضّ مضاجع الأجهزة الأوروبية اليوم ليس النية بل القدرة. يقول جيروم بوارو، المنسق السابق للاستخبارات في الإليزيه: "إيران ستستهدف أولاً من ضربها". لكن التاريخ يُعلّم أن طهران قد تفاجئ.
في فبراير/ شباط 2023، كشف مدير الاستخبارات الخارجية الفرنسية برنار إيميه أمام الجمعية الوطنية أن بحرية إيرانية رُصدت قرب بولينيزيا الفرنسية في المحيط الهادئ. الثورة الإسلامية تمد خيوطها أبعد مما نظن.