منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأسيس "مجلس السلام"، وصولًا إلى توقيع ميثاقه التأسيسي رسميًا في منتدى دافوس، الخميس، أظهر الأوروبيون مواقف تتأرجح بين الفتور والشك والحذر والصمت، من دون أن ترتقي إلى الرفض الحاسم أو الموافقة الصريحة على الانضمام إليه.
وتكشف هذه المواقف أن أوروبا لا تتعامل مع المبادرة باعتبارها إجراءً تقنيًا جرى إنشاؤه لإدارة نزاع بعينه، تحديدًا في قطاع غزة، بل كمؤشر على تحول محتمل في بنية النظام الدولي نفسه، إذ ينص ميثاقه على مهام أوسع من القطاع، تشمل حل نزاعات أخرى في أنحاء مختلفة من العالم، ما أثار مخاوف من أن يسلك مسارًا غير أممي ويكون منافسًا للأمم المتحدة.
تنصب المقاربات الأوروبية حاليًا على محاولة استكشاف ما إذا كان هذا المجلس يمثل وسيلة مؤقتة لإدارة أزمة قطاع غزة، أم سيتطور إلى أداة دائمة تُكرّس لبدائل دبلوماسية تتجاوز الإطار الأممي.
ولا يمكن الإحاطة بالصورة الكاملة للموقف الأوروبي من دون استحضار السياق الأوسع لعلاقة القارة العجوز مع دونالد ترامب، التي يشوبها اختلاف يصل حد التوتر، على خلفية ملفات عدة تمتد من أوكرانيا إلى غرينلاند.
ويقول مراقبون إن أوروبا تعتبر ترامب تجسيدًا لسياسة لا تعكس قيمها، إذ يرى في المؤسسات متعددة الأطراف عبئًا أكثر منها رافعة.
وخلال ولايته السابقة، انسحب ترامب من اتفاق باريس للمناخ، وجمّد مساهمات بلاده في منظمة الصحة العالمية، وهاجم الأمم المتحدة مرارًا باعتبارها "غير فعّالة"، كما عبّر مرارًا عن استيائه من النفقات الهائلة التي تتكبدها واشنطن في إطار حلف الناتو، النواة الصلبة للتحالف عبر الأطلسي.
ويقول خبراء إن هذه السلوكيات عززت لدى زعماء القارة انطباعًا بأن المجلس ليس "فكرة بريئة"، بل قد يكون حلقة جديدة في سلسلة محاولات ترامب الالتفاف على التعددية الدولية.
ورغم تأكيد ترامب المتكرر أن المجلس سيعمل "بالتنسيق مع الأمم المتحدة"، فإن ذلك لم يكن كافيًا لتبديد مخاوف حلفائه الأوروبيين، بل ذهبت تحليلات سياسية إلى اعتبار ذلك محاولة طمأنة صورية، أكثر منها التزامًا مؤسسيًا واضحًا.
يتمثل أحد أبرز الهواجس الأوروبية في الطبيعة الهجينة للمجلس، بحسب وصف خبراء، فهو ليس منظمة دولية بالمعنى التقليدي، ولا ينطوي على آليات أممية خاضعة لضوابط متفق عليها، بل كيان يكاد يكون غامضًا، يرأسه ترامب بصلاحيات تنفيذية واسعة، بما في ذلك حق النقض وعزل الأعضاء.
والنقطة الأكثر إثارة للجدل، وفق القراءة الأوروبية، هي ربط العضوية الدائمة في هذا المجلس بدفع مليار دولار أمريكي، وهو ما ينسف مبدأ المساواة بين الدول، التي تتفاوت قدراتها الاقتصادية، في حجز مقعد دائم فيه.
ووصفت نخب أوروبية المبادرة بـ"مجلس أمن مدفوع الثمن"، إذ يصبح القانون الدولي خاضعًا للدول العظمى التي تملك إمكانات مالية ضخمة، ليس في مقدور دول كثيرة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية توفيرها.
وعكست المواقف الأوروبية هذه الانطباعات، وجاء الموقفان الفرنسي والبريطاني أكثر وضوحًا، إذ رفضتا المشاركة في مراسم التوقيع في دافوس، في تصرف بروتوكولي ينطوي على رسالة سياسية محسوبة، بحسب خبراء.
ورغم خصوصية العلاقة "التاريخية" التي تربط بين بريطانيا وواشنطن، فإنها تعيش منذ "بريكست" حالة بحث عن دور دولي متوازن، قد لا يحققه الانضمام إلى مجلس غير واضح المعالم، يضم دولًا متباينة المصالح والأولويات، لذلك جاء الموقف البريطاني بصيغة دبلوماسية حذرة: "لن ننضم في الوقت الحالي".
باريس، بدورها، التي تُعد حريصة على النظام الدولي القائم على القانون، ترى أن أية مبادرة سلام لا تمر عبر الأمم المتحدة، أو لا تكون خاضعة لآلياتها الواضحة، قد تشكل سابقة خطيرة.
ونقلت تقارير عن مصدر مقرب من الإليزيه قوله إن مجلس السلام "يفتقر إلى وضوح التفويض، ويمنح سلطة مفرطة لشخص واحد"، في إشارة إلى ترامب.
أما ألمانيا، وبحكم حساسيتها تجاه أي تحرك يمس النظام الدولي والمؤسسات الأممية، فلم تُبدِ حماسة تجاه المجلس، لكنها لا ترغب في الوقت ذاته في أي تصعيد مع واشنطن، فاكتفت بالإشارة إلى أن المستشار ميرتس لن يحضر مراسم التوقيع في دافوس، وأن برلين "تدرس المبادرة في ضوء القانون الدولي".
أما الاتحاد الأوروبي كمؤسسة، فينظر إلى مجلس السلام من زاوية مختلفة، إذ يخشى من أن يتحول إلى منصة تفاوض موازية تُهمّش دور بروكسل في قضايا الشرق الأوسط وأوكرانيا.
ويلاحظ خبراء أن معظم التحفظات الأوروبية لا تتعلق مباشرة بغزة، بل على العكس، هناك شبه إجماع أوروبي على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، وإطلاق مسار إعادة إعمار جدي، وتحسين الوضع الإنساني الكارثي في القطاع.
ويضيف الخبراء أن المشكلة تظهر عندما يُطرح مجلس السلام كنموذج قابل للتعميم على نزاعات أخرى، لا سيما الملف الأوكراني الذي يتعلق مباشرة بأمن القارة ونفوذها.
وتعبر النخب السياسية الأوروبية عن القلق من أن يكون المجلس مدخلًا لتفكيك الدور الأممي، واستبداله بصفقات سياسية مرنة تقودها القوى الكبرى وفق مصالحها الآنية، قد لا تراعي مصالح القارة.
وتقود هذه النقطة إلى جزئية ذات صلة، فدعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام إلى مجلس السلام كانت، بالنسبة لكثير من العواصم الأوروبية، تجاوزًا للخطوط الحمراء، إذ يتساءل الأوروبيون: كيف يمكن لمجلس يُفترض أن يعزز السلام أن يضم قائد دولة، في إشارة إلى بوتين، يخوض حربًا ضد دولة أوروبية ذات سيادة؟
ويشدد الخبراء على أن هذا التناقض، الذي يعزز التشكيك الأوروبي في المبادرة، ليس تفصيلًا هامشيًا، بل هو دليل على أن المجلس قد يكون أداة سياسية ضاغطة أكثر منه إطارًا قانونيًا محايدًا.
وحول فرص نجاح المبادرة، يعتقد الأوروبيون أن المجلس قد يحقق نجاحًا تكتيكيًا محتملًا عبر إدارة المرحلة الانتقالية، وتنسيق التمويل، وجهود إعادة الإعمار، لكنهم يستبعدون قدرته على الانخراط في نزاعات أوسع من القطاع، بسبب غياب شرعيته الأممية، وتركيزه على شخصية ترامب.
ومن هنا، يرجّح الأوروبيون أن تكون المبادرة مرتبطة بزمن سياسي، ذلك أن مجلسًا يُبنى حول رئيس واحد وبصلاحيات استثنائية، من الصعب أن يتحول إلى مؤسسة دائمة تحظى بإجماع دولي.
ويخلص خبراء إلى القول إن القراءة الأوروبية لمجلس ترامب للسلام لا تنطلق من عداء لفكرة السلام، ولا من رغبة في إفشال أية مبادرة أمريكية، بل من خوف أعمق يتمثل في إدارة النزاعات بمنطق الصفقات.
ومن هنا، يبقى مجلس السلام، في الوعي الأوروبي، تجربة سياسية وليدة مثيرة للجدل والاهتمام، لكنها محفوفة بالمخاطر، ومحدودة الأفق، وقد تنتهي بانتهاء ولاية ترامب.