لم تكن عملية الهجوم الأمريكي على فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، التي أطلق عليها اسم "العزم المطلق"، مجرد ضربة للنظام الفنزويلي، بل أصبحت ساحة اختبار جديدة للمواجهة الجيوسياسية بين القوى الكبرى.
وتتصل هذه المواجهة تحديدًا بكل من الولايات المتحدة وروسيا والصين، في وقت تتصاعد فيه التوترات الدولية حول مفاهيم السيادة والقانون الدولي.
أحدثت عملية اعتقال مادورو صدمة في موسكو، التي فقدت حليفها الرئيسي في أمريكا اللاتينية.
ووصفت وزارة الخارجية الروسية العملية بأنها "مثيرة للقلق العميق وتستحق الإدانة"، معتبرة أن "العداء الأيديولوجي انتصر على البراغماتية".
ويمثل سقوط مادورو ضربة جديدة لموسكو بعد سقوط بشار الأسد في سوريا، وإضعاف النظام الإيراني.
وكانت العلاقات الروسية الفنزويلية قد تعززت تحت حكم هوغو شافيز (1999-2013)، وأصبح مادورو حليفًا مخلصًا لفلاديمير بوتين، خاصة بعد الحرب الروسية على أوكرانيا.
ووقعت موسكو وكاراكاس في نوفمبر تشرين الثاني 2024 اتفاقيات عسكرية ونفطية، لكن روسيا، المنشغلة بحربها في أوكرانيا، لم تستطع تقديم الدعم الفعلي لمادورو عندما احتاجه.
ويشير ديمتري مينيتش، الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، إلى أن "روسيا تجد نفسها في موقف متناقض من العجز الاستراتيجي: من جهة، تحاول إرضاء ترامب على أمل أن يتخلى عن أوكرانيا، ومن جهة أخرى، يضعف ترامب بأفعاله شبكة حلفاء موسكو".
ويضيف: "كما في سوريا وإيران، يبرز التسلسل الفنزويلي الضعف الجيوسياسي لروسيا".
تواجه بكين معضلة أكثر تعقيدًا، فهي أكبر دائن لفنزويلا بقروض تتجاوز 60 مليار دولار، وتستورد حوالي 85% من صادرات النفط الفنزويلية.
وزير الخارجية الصيني وانغ يي أدان العملية الأمريكية بشدة، قائلاً: "لا ينبغي لأي بلد أن يعتبر نفسه شرطي العالم"، مطالبًا بإطلاق سراح مادورو فورًا.
لكن رد فعل الصين كان حذرًا، فالعملية الأمريكية تهدد مباشرة المصالح الاقتصادية الصينية في المنطقة. كما تضع علامة استفهام حول قدرة اليوان الصيني على حماية الدول الشريكة من التدخل الغربي، خاصة أن فنزويلا كانت تسعّر نفطها باليوان منذ 2017.
أثارت العملية الأمريكية تساؤلات حول ما إذا كانت ستشجع الصين على التحرك عسكريًا ضد تايوان.
وحذر ديفيد روش، من مركز "كوانتوم ستراتيجي"، قائلاً: "إذا كان بإمكان ترامب أن يدخل بلدًا ويستولي عليه، فلماذا بوتين مخطئ بشأن أوكرانيا، ولماذا لا يحق للصين الاستيلاء على تايوان؟".
لكن معظم الخبراء يرفضون هذه المقارنة. يرى رايان هاس من معهد بروكينغز أن "بكين ستركز أكثر على حماية مصالحها وإدانة الإجراءات الأمريكية، وتوضيح التباين مع الولايات المتحدة في النظام الدولي".
ويشير ماركو بابيتش من مركز أبحاث "بي سي إيه" إلى أن "الوقت في صالح الصين"، خاصة مع تركيز واشنطن على نصف الكرة الغربي.
يرى المحللون أن العملية الأمريكية تمنح الصين والدول الأخرى "ذخيرة رخيصة" لانتقاد واشنطن. كما يقول وليام يانغ من مجموعة الأزمات الدولية: "الولايات المتحدة أمضت سنوات في الادعاء بأن الإجراءات الصينية تنتهك القانون الدولي، الآن هي تقوض تلك الحجة بنفسها".
ويتوقع نيل توماس من جمعية آسيا أن تستخدم الصين قضية فنزويلا "لرسم تباين حاد مع واشنطن وتقديم نفسها كقوة تدافع عن السلام والتنمية والاستقرار".
ويضيف: "الرئيس الصيني لا يهتم بفنزويلا نفسها، بل يأمل أن تصبح مستنقعًا للسياسة الخارجية الأمريكية".
في النهاية، تكشف الأزمة الفنزويلية عن نظام دولي متصدع، حيث تتصادم مفاهيم القوة والسيادة، وحيث أصبحت القواعد القانونية موضع تساؤل متزايد.
وبينما تعيد واشنطن تعريف نفوذها في الأمريكتين، تجد موسكو وبكين نفسيهما في موقف دفاعي، مما يشير إلى مرحلة جديدة من المواجهة الجيوسياسية العالمية.