يأخذ الحضور الإيراني في أفريقيا شكلاً أكثر تعقيداً مما كان عليه في السنوات السابقة، وفق ما يؤكده مصدر دبلوماسي أوروبي رفيع، اطّلع على تقارير أمنية مشتركة خلال الأسابيع الماضية.
ويشير المصدر، في حديث لـ"إرم نيوز"، إلى أن نشاط الحرس الثوري، ولا سيما "الوحدة 400" التابعة لفيلق القدس، شهد تطوراً واضحاً خلال الأشهر الأخيرة في دول الساحل والقرن الأفريقي، في ظل تحولات أمنية داخلية تشهدها المنطقة، وتراجع مظلة الردع التقليدية التي كانت تحد من حركة شبكات غير نظامية.
ويقول المصدر إن دولاً مثل النيجر ونيجيريا وتشاد والسودان وأوغندا أصبحت نقاط اهتمام رئيسية لطهران، ليس من باب الحضور الدعوي أو الثقافي فقط، بل باعتبارها "ممرات آمنة" تتيح لإيران بناء علاقات مع مجموعات محلية يمكن توظيفها لأغراض أمنية لاحقاً.
ويضيف أن ما يقلق العواصم الأوروبية حالياً هو تغير طبيعة الانتشار، "النشاط الذي كان يُعرف سابقاً بوصفه ذا طابع تعليمي أو ديني، بات اليوم أكثر انضباطاً، وأكثر ارتباطاً بعمليات خارج الحدود، وبأجهزة أمنية إيرانية تتعاطى مع أفريقيا باعتبارها امتداداً لساحات أخرى".
وبحسب المصدر الأوروبي، شهد النصف الثاني من العام الجاري ما وصفه بـ"إعادة توزيع أدوار" داخل الشبكات الإيرانية في القارة، إذ نقلت طهران جزءاً من أنشطتها من المؤسسات الظاهرة إلى خلايا صغيرة تعمل تحت غطاء مدني أو تجاري أو تعليمي، وتُدار غالباً عبر وسطاء محليين يتلقون التدريب خارج أفريقيا، قبل أن يعودوا إلى دولهم بطريقة يصعب رصدها.
ويوضح المصدر الدبلوماسي أن هذه الخلايا لا تتجه بالضرورة لتنفيذ عمليات مباشرة، إنما تُستخدم في الغالب في جمع المعلومات، ورصد تحركات أطراف دولية، وتوفير نقاط ارتكاز لوجستية يمكن تفعيلها في حال حدوث تصعيد إقليمي يتطلب من طهران إرسال رسائل غير مباشرة إلى خصومها.
ويؤكد أن ما يميز المرحلة الراهنة هو الطابع الهادئ والدقيق لهذه الشبكات، بعيداً عن أي مظاهر صدامية.
ويقول: "ليست خلايا عملياتية مكتملة، لكنها بنى أولية يمكن تطويرها بسرعة إذا تغير المشهد الإقليمي".
ويتفق تقدير بعثات أوروبية عاملة في المنطقة على أن التحول الإيراني ليس مدفوعاً بتوسع أيديولوجي، بقدر ما هو مرتبط ببراغماتية سياسية، فطهران، كما تشير المصادر، باتت تتعامل مع أفريقيا بوصفها فرصة لبناء أوراق ضغط خارج مسارح المواجهة التقليدية في الشرق الأوسط.
وحول ذلك يوضح المصدر الأوروبي أن بعض الأنشطة التي لوحظت مؤخراً تشمل "دعم شبكات صغيرة في مناطق حدودية مضطربة، وكذلك تقاطع مصالح مع مجموعات مسلحة محلية، وبناء خطوط اتصال سرية بين عناصر تلقت تدريباً خارج القارة، وبين جهات داخلية قادرة على توفير غطاء اجتماعي أو لوجستي".
لكن المصدر يحذر في الوقت نفسه من المبالغة في تقدير حجم النفوذ الإيراني، مؤكداً أن قدرة طهران على تحويل هذه البنى إلى عمليات مؤثرة لا تزال محدودة.
ويختتم الدبلوماسي الأوروبي تقييمه بالإشارة إلى أن التقلبات السياسية في دول الساحل الأفريقي، وتراجع أدوار قوى دولية كانت تقوم بوظائف ردعية، سمحت لإيران بالتحرك بطريقة أنعم وأقل إثارة للانتباه، لكنه يؤكد أن التحرك الإيراني "ليس تعويضاً عن انتكاسات في الشرق الأوسط، بقدر ما هو محاولة لتوسيع هوامش الحركة قبل أن يشتد الضغط الدولي عليها".
من ناحيته، يرى الباحث البريطاني المختص في الأمن الأوروبي وشبكات النفوذ العابرة للحدود، جوناثان كيتس، أن التحولات الأخيرة في نشاط الحرس الثوري داخل أفريقيا تُظهر انتقالاً محسوباً من العمل الأيديولوجي التقليدي إلى بنية أمنية تعتمد على تفكيك الأدوار وتوزيعها بين خلايا صغيرة.
ويشير كيتس، في تصريح لـ"إرم نيوز"، إلى أن هذا النمط يتوافق مع ما اعتمدته طهران في مناطق أخرى عند شعورها بزيادة القيود على حركتها، لافتاً إلى أن النشاط الإيراني في مناطق تشهد تراجعاً نسبياً للدور الأوروبي، سيخلق "نوافذ تشغيل" تستفيد منها إيران بدقة.
وينبه الباحث البريطاني من أن تجاهل هذا التمدد قد يسمح للحرس الثوري بتأسيس بنية عملياتية قادرة على التأثير في خطوط الملاحة التجارية، أو أمن البعثات الدولية في مراحل لاحقة، إذا ما تصاعد التوتر في الشرق الأوسط أو البحر الأحمر.
ويؤكد كيتس أن الخطر لا يكمن فقط في جمع المعلومات أو تأسيس خلايا نائمة، بل في قدرة إيران على تعزيز نفوذ سياسي غير مباشر عبر فاعلين محليين غير رسميين، ويرى أن هذه الشبكات قد تُستخدم كأدوات ضغط في ملفات لا تتعلق بأفريقيا نفسها، وإنما بصراعات أوسع مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.
بدورها، اعتبرت الخبيرة الألمانية المتخصصة في سياسات الأمن الدولي، إيميلي هارتمان، أن تقييم النفوذ الإيراني في أفريقيا يجب أن ينطلق من قراءة دقيقة لطبيعة التحولات السياسية في دول الساحل، حيث يبحث عدد من الأنظمة الانتقالية عن شركاء خارجيين يوفرون دعماً غير مشروط، وهو ما تستغله طهران لإعادة هندسة أدوات نفوذها.
وأشارت هارتمان، خلال حديثها لـ"إرم نيوز"، إلى أن إيران لا تتحرك بدافع التوسع الجغرافي بقدر ما تبحث عن "هامش مناورة دولية" خارج مناطق الصراع التقليدية.
واعتبرت أن استخدام إيران لشبكات اقتصادية غير رسمية في النيجر ونيجيريا وتشاد يمثل تطوراً نوعياً؛ لأن هذا النوع من الشبكات يملك قدرة على الحركة تفوق أحياناً قدرات الدولة نفسها في المناطق الحدودية.
وترى هارتمان أن هذا الأسلوب قد يمنح إيران إمكانية بناء نفوذ طويل الأمد يصعب تفكيكه عبر الإجراءات الأمنية التقليدية.
ولفتت إلى أن الفراغ الذي خلفه الانكفاء الغربي في مناطق واسعة من الساحل هو العامل الأهم في تفسير قدرة طهران على تطوير شبكاتها، موضحة أن إيران تعمل في فضاء تسوده صراعات داخلية، وانقسامات بين المكونات المحلية، وتنافس دولي غير محسوم.
وحذرت هارتمان من أن استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى ظهور طبقة محلية من الوسطاء المرتبطين بطهران، وهو ما يخلق تأثيراً سياسياً غير مباشر يتجاوز مجرد تنفيذ عمليات أمنية.
ودعت إلى مقاربة غربية تقوم على تعزيز الرقابة الحدودية باعتبارها المدخل الأكثر فعالية لإضعاف قدرة إيران على تثبيت شبكاتها.