كشفت كواليس اليوم الأول من المفاوضات الأمريكية الإيرانية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد عن مشهد تفاوضي معقد، امتد حتى الساعات الأولى من صباح الأحد، في لقاء وُصف بالتاريخي بين خصمين لدودين، بعد أكثر من شهر من المواجهة العسكرية المباشرة.
وبحسب ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير لها، فإن طول أمد الجلسات – التي تجاوزت 14 ساعة متواصلة منذ وصول الوفد الأمريكي – يعكس حجم الملفات العالقة وعمق الخلافات، في وقت لا يزال فيه الطرفان متمسكين بخطوط حمراء ضيقة، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ومستقبل السيطرة على مضيق هرمز.
وذكرت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية أن فرقاً من الخبراء من كل وفد تفاوضت في جولات متعددة، واستمر المفاوضون في تبادل الرسائل حتى الساعات الأولى من صباح الأحد عبر وسطاء باكستانيين.
فريق التفاوض
انضم إلى دي فانس في إسلام آباد كل من المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر.
وكان الوفد الإيراني، الذي يضم وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، قد وصل في وقت سابق إلى العاصمة الباكستانية.
ووفقاً للتقرير، لم تقتصر المفاوضات على الجلسات الرسمية، بل امتدت إلى جولات تقنية قادها خبراء من الجانبين، تخللتها رسائل متبادلة عبر وسطاء باكستانيين حتى ساعات الفجر، ما يشير إلى استمرار الانخراط رغم غياب أي اختراق فعلي حتى الآن.
ونقلت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن مسؤولين إيرانيين قولهم إن قاليباف صافح فانس، مؤكدين أن أجواء اللقاء كانت ودية وهادئة.
لقاء استثنائي بعد عقود من القطيعة
يُعدّ اللقاء المباشر بين فانس وقاليباف حدثاً غير مسبوق في العلاقات بين البلدين منذ الثورة الإيرانية عام 1979، ما يعكس حجم التحول الذي فرضته الحرب الأخيرة، رغم استمرار حالة العداء العميق.
وتأتي هذه المفاوضات في ظل سياق بالغ الحساسية، إذ لم تمضِ سوى أيام على الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل قيادات إيرانية بارزة، ما دفع طهران إلى التصعيد والرد عبر هجمات إقليمية واسعة، شملت تعطيل الملاحة في مضيق هرمز ورفع أسعار الطاقة عالمياً.
هرمز.. العقدة الأبرز
تؤكد مصادر إيرانية مطلعة، بحسب الصحيفة، أن ملف مضيق هرمز لا يزال يمثل نقطة الخلاف الأشد تعقيداً، في ظل تمسك طهران بورقة الضغط هذه، مقابل إصرار واشنطن على ضمان حرية الملاحة.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية بدء عمليات تمشيط للمضيق عبر قطع بحرية متخصصة بإزالة الألغام، في حين نفت إيران تلك التحركات.
وأصدر الحرس الثوري بيانا نقلت وكالة "تسنيم" ينفي فيه عبور أي قطع حربية أمريكية لمضيق هرمز، مهددا بأن العبور مسموح فقط للسفن التجارية وأن القطع الحربية ستكون أهدافا مشروعة.
هدنة هشة
ورغم التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت لمدة أسبوعين، فإن هشاشة الهدنة تظل قائمة، خاصة مع استمرار التوتر في لبنان، حيث تواصل إسرائيل غاراتها في الجنوب، وسط تحذيرات من أن أي تصعيد هناك قد ينسف مسار التفاوض بالكامل.
في المقابل، وصف رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف هذه المحادثات بأنها “لحظة حاسمة”، في إشارة إلى الرهان الدولي على نجاحها في كبح جماح التصعيد الإقليمي.
تفاوض بلا ضمانات
حتى الآن، لم تسفر المفاوضات عن أي اختراق ملموس، لكن استمرارها لساعات طويلة، وفتح قنوات تواصل مباشرة، يشيران إلى أن الطرفين لا يزالان يختبران إمكانية الوصول إلى تسوية، ولو جزئية.
ومع ضيق هامش المناورة، وارتفاع سقف المطالب، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الجولة ستقود إلى تهدئة مستدامة، أم أنها مجرد محطة عابرة في صراع مفتوح على كل الاحتمالات.