تبدو الحرب الروسية - الأوكرانية على أعتاب منعطف حاسم، إذ يتقاطع المساران الميداني والسياسي بصورة لم تشهدها كييف منذ اندلاع النزاع في فبراير/ شباط عام 2022، خاصة مع الضغوط المتنامية التي يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدفع خطة سلام مكونة من 28 بندًا.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تسارعت الخسائر الأوكرانية على نحو لافت، إذ أشارت تقارير إلى أن كييف فقدت أكثر من 1.7 مليون جندي منذ بدء الحرب، بينهم مئات الآلاف خلال العام الجاري، فيما تستمر الوحدات بفقدان فعاليتها القتالية وسط انهيار خطوط الدفاع في الشرق والجنوب.
ولم يعد التقدم الروسي مقتصرًا على جبهة محددة، بل شمل تحرير بلدات جديدة في دنيبروبيتروفسك ودونيتسك، إضافة إلى طرد القوات الأوكرانية من مواقع استراتيجية في خاركوف.
أما معركة بوكروفسك، فقد حشدت موسكو عشرات الآلاف من الجنود حول المدينة، وتمكنت من التسلل إلى أحيائها، في ظل اعتراف القادة الأوكرانيين بأن القوات الروسية تتفوق عدديًا بنسبة 1 إلى 8، وأن جزءًا من الجنود المحاصرين بدأ بالفعل في الاستسلام.
وعلى الجانب السياسي، جاءت خطة ترامب التي صيغت في جولات سرية بين المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ونظيره الروسي كيريل دميترييف من دون حضور أوكرانيا لتضيف طبقة أخرى من التعقيد.
وعبر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن رفض واضح للتنازلات المتعلقة بالأراضي، مستندًا إلى خطوط دستورية حمراء وهوية وطنية ترفض التخلي عن دونباس والقرم.
وفي الوقت ذاته، يجد زيلينسكي نفسه محاصرًا بين ضغط أمريكي شديد، ومشهد داخلي مرتبك بسبب فضائح فساد، وتراجع القدرة على الصمود العسكري، ما دفع كييف إلى طرح تعديلات تهدف لخفض بنود الخطة إلى 19 بندًا، وربط أي نقاش حول الأراضي بخطوط الجبهة الحالية.
ووفقًا للمراقبين، تواجه كييف اليوم 4 مسارات محتملة، إما القبول تحت الضغط مع تحمل تبعات التنازل الإقليمي، أو الرفض والمضي نحو مواجهة قد تُفقدها الدعم الأمريكي، أو تجميد الصراع وفق خطوط الجبهة الحالية، أو الدخول في صيغة وسط تُبقي الملكية القانونية لأراضي واسعة، لكنها تمنح روسيا السيطرة الفعلية عليها.
ومع هذا التداخل بين الانهيارات الميدانية والضغوط الدبلوماسية، يبقى السؤال الأبرز: ما سيناريوهات التفاوض الجديدة "الصعبة" على أوكرانيا؟
يرى خبراء أن أوكرانيا تواجه مرحلة تفاوضية شديدة التعقيد، بعدما تزامنت الانتكاسات الميدانية مع طرح خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي ترى فيها كييف بنودًا "ثقيلة" تميل لصالح موسكو.
وأضاف الخبراء، في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن توقف الهجوم الأوكراني وتقدم روسيا في محاور جديدة، إلى جانب تآكل الدعم الغربي وذهاب جزء كبير من المساعدات إلى شبكات الفساد، جعلت مساحة مناورة زيلينسكي تضيق أكثر من أي وقت مضى.
ورجح الخبراء أن تضغط أوكرانيا وحلفاؤها الأوروبيون لتعديل الخطة أو طرح صيغة بديلة، لكن من دون ضمان أن تقبل بها موسكو، في ظل تحذيرات بوتين من أن رفض كييف سيقود إلى مزيد من التقدم الروسي على الأرض.
وبهذا السياق، أوضح المستشار السابق للرئيس الروسي، سيرغي ماركوف، أن الجانب الأوكراني غير راضٍ عن خطة السلام الجديدة التي قدمها الرئيس ترامب، مشيرًا إلى أن الرفض الأوكراني يستند إلى عاملين أساسيين.
وقال ماركوف، في تصريح لـ"إرم نيوز"، إن الرئيس الأوكراني لا يريد أي سلام، ويفضل استمرار الحرب لأطول فترة ممكنة، معتبرًا أن توقف القتال سيُنهي الحكم العسكري ويفتح الباب لانتخابات يخسر فيها زيلينسكي، نظرًا لانتشار الفساد ووجود رفض شعبي واسع ضده.
وأضاف أن وقف الحرب يعني أيضًا أن زيلينسكي سيكون عرضة للتحقيق في قضايا فساد وجرائم حرب، مدعيًا أنه أصدر أوامر مباشرة بها.
وأوضح ماركوف أن السبب الثاني لرفض كييف هو تضمّن خطة ترامب بعض المطالب الروسية، موضحًا أن الخطة تبدأ بالاعتراف بأن حل الأزمة يتطلب معالجة أسباب الحرب، وليس مجرد وقف إطلاق النار.
وقال إن أوكرانيا تريد وقف القتال فقط لإعادة بناء جيشها والحصول على مزيد من الأسلحة الأوروبية، وربما إدخال قوات أوروبية إلى البلاد.
وأشار ماركوف إلى أن ترامب كان يميل سابقًا إلى وقف إطلاق النار، لكنه أصبح الآن يتحدث عن معالجة جذور الأزمة كما تطالب روسيا، خاصة أن موسكو لا تملك بعد معلومات كاملة عن الخطة، وأن موقفها النهائي سيتوقف على ما إذا كانت تعالج فعليًا أسباب النزاع.
وأوضح المستشار السابق أن السبب الأهم هو وقف ما يصفه بـ"مشروع معاد لروسيا" داخل أوكرانيا، معتبرًا أن استمرار هذا المشروع يعني استمرار العملية العسكرية الروسية، وأنه إذا تضمنت خطة ترامب وقف هذا المشروع، فستقبلها موسكو فورًا.
وأشار إلى أن جوهر المفاوضات يدور حول "معسكر الحرب" في أوكرانيا وأوروبا، معتبرًا أن زيلينسكي سيضغط على أمريكا وعلى ترامب لتعديل الخطة بإضافة بنود ترفضها روسيا.
من جانبه، أوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة موسكو، د. نزار بوش، أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية، خاصة دول الناتو، استنفدت كل أنواع العقوبات ضد روسيا، كما دعمت أوكرانيا بكل أشكال السلاح والمال، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من هذه الأموال ذهب إلى مقربين من زيلينسكي.
وأشار بوش، في تصريح لـ"إرم نيوز"، إلى أن الغرب منح أوكرانيا فرصة الهجوم المعاكس قبل عام ونصف، لكن النتائج كانت عكسية تمامًا، فخسرت كييف عشرات الآلاف من الجنود، واحترقت الأموال التي ضخها الغرب، ودُمر جزء كبير من الأسلحة الغربية الحديثة في جبهات القتال.
وأضاف أن زيلينسكي حصل على جميع الفرص للتقدم، لكنه فشل، وكانت النتيجة تقدم روسيا في عدة محاور، بما في ذلك مناطق خارج الدونباس، مثل سومي وبيتروفسك وخاركيف.
وأكد بوش أن معظم الدعم الغربي "ذهب هباءً"، الأمر الذي دفع ترامب إلى محاولة الظهور بمظهر "بطل السلام"، لافتًا إلى وجود نزعة نرجسية معروفة لدى ترامب.
وقال إن ترامب التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، وتم الاتفاق على الخطّة المكونة من 28 بندًا، مشيرًا إلى أن العديد من بنودها مقبول لدى روسيا، خاصة ما يتعلق باعتراف كامل بسيادة موسكو على الدونباس، وخروج القوات الأوكرانية من المناطق المتبقية، ووقف العمليات في زابوروجيا وخيرسون، وأيضًا انسحاب روسيا من سومي وخاركيف وبيتروفسك.
وأوضح أن البنود الأهم بالنسبة لموسكو تشمل عدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو، وإنشاء منطقة عازلة، مؤكدًا أن كييف تجد نفسها في وضع بالغ الصعوبة، حيث لم يحقق زيلينسكي أمام شعبه والأوروبيين الذين أنفقوا أموالًا ضخمة أي نتائج ميدانية.
وأضاف بوش أن تنفيذ بنود الخطة يعني نهاية المسار السياسي لزيلينسكي، كما سيجعل الأوروبيين في موقف الخاسر، ما سيدفع كييف وبروكسل لمحاولة تعديل الخطة أو طرح بديلة تتقاطع معها، لكن هذا لا يعني أن روسيا ستوافق على المقترحات الأوروبية، وفق تقدير بوش.
وأشار إلى أن الرئيس بوتين وجه تحذيرًا واضحًا في حال رفضت أوكرانيا الخطة، حيث ستتقدم روسيا ميدانيًا وستحقق أهدافها عبر العمليات العسكرية، وأن مدنًا جديدة قد تسقط في يد الجيش الروسي.
وأوضح بوش أن الرسالة موجهة لكييف والغرب معًا، مؤكدًا أن الأوكرانيين والغرب يمرون بمرحلة تفاوضية معقدة، وأن الخطة ترضي روسيا بلا شك.
وأشار إلى أن ترامب حذر زيلينسكي بأنه إذا رفض الخطة، فعليه أن يحارب وحده.
وبين بوش أن ترامب شخصية لا يمكن الوثوق دائمًا بثبات مواقفها، مؤكدًا أن المشهد الحالي لا يشير إلى اقتراب أي تسوية أو سلام في أوكرانيا.
في المقابل، أكد الخبير في الشؤون الأوكرانية، محمد فرج الله، أن التقدم الروسي الأخير يزيد من الضغوط على أوكرانيا، ويضع الرئيس زيلينسكي أمام اختبار صعب، خاصة مع اقتراب المهلة التي منحها الرئيس الأمريكي بشأن خطة السلام المكونة من 28 بندًا.
وكشف فرج الله، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن الانتصارات الروسية في دنيبروبيتروفسك ودونيتسك وخاركيف، بما في ذلك محاصرة مدن استراتيجية مثل بوكروفسك، تُظهر التفوق العددي والتكتيكي للقوات الروسية، ما يحد من قدرة أوكرانيا على الدفاع عن أراضيها، ويزيد من هشاشة موقعها التفاوضي.
وأشار إلى أن المهلة الأمريكية تضيف ضغطًا سياسيًا حادًا على زيلينسكي، مؤكدًا أن أي تأجيل في قبول الخطة، قد يُترجم إلى خسائر ميدانية إضافية، ويضعف دعم الحلفاء الأوروبيين، في وقت تواجه فيه أوكرانيا تحديات داخلية؛ بسبب الفساد وتراجع القدرة العسكرية.
وأكد فرج الله، أن أمام كييف خيارات محدودة، وهي إما قبول جزء من بنود الخطة مع المحافظة على السيادة، أو رفضها ومواجهة تصعيد روسي محتمل، أو تجميد الصراع عند خطوط الجبهة الحالية، أو اعتماد صيغة وسطية تتيح لروسيا السيطرة الفعلية على مناطق واسعة دون فقدان السيادة بشكل رسمي.
وشدد فرج الله على أهمية أن تواصل أوكرانيا الضغط الدبلوماسي واستغلال الدعم الدولي، مع تعزيز القدرات الداخلية لمكافحة الفساد وضمان وصول المساعدات إلى الجبهات، بما يتيح لها مواجهة التحديات الروسية والسيطرة على مسار التفاوض لصالحها.