ترامب: "لا أوراق" تفاوضية بيد إيران باستثناء التحكم بمضيق هرمز
في 28 يناير، حلّقت رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني بمروحية فوق قرية نيشيمي الصقلية المدمّرة بانهيار أرضي، وانتظرت أسبوعين قبل أن تضع قدمها في الوحل.
لقطة واحدة اختتمت الصورة التي رسمتها 4 سنوات في السلطة، زعيمة تُطلّ على الأزمات من الأعلى دون أن تلمسها، ثم جاء استفتاء 22 و23 مارس ليُترجم هذه الصورة أرقامًا: 53.7% من الإيطاليين رفضوا إصلاحها القضائي الذي كان يهدف إلى فصل مسارات المدعين العامين والقضاة، في أعلى نسبة مشاركة استفتائية منذ سنوات بلغت 55.7%.
وفق تحليل نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية، تُعدّ هذه أسوأ هزيمة سياسية في مسيرة ميلوني منذ وصولها إلى السلطة عام 2022.
الباحث آلان كافال، مراسل "لوموند" في روما، يُقدّم تشخيصًا دقيقًا: ميلوني اختارت منذ البداية الأيديولوجيا على حساب البراغماتية. الحرب الثقافية، والسرديات الهوياتية الكبرى، وفرض ما وصفته بـ"الهيمنة الثقافية اليمينية" حتى في الفصول الدراسية، كلها كانت أولوية على حساب إصلاحات تمس يوميات المواطنين.
وأوضح أن الخدمات العامة تتآكل، والنمو الاقتصادي راكد، لكن الحكومة تختبئ خلف تقليص العجز الذي يُثني عليه المستثمرون دون أن يشعر به المواطن.
أما معركتها مع القضاء فكانت نموذجًا لهذا الاختيار: القضاة، في نظرها، "عدو داخلي" عرقل مراكز احتجاز المهاجرين في ألبانيا، ذلك المشروع المكلف الذي لا يحقق هدفًا واضحًا، لكن حين جاء الاستفتاء، اختار الإيطاليون دستورهم على إصلاح أرادت به إضعاف هذا الدستور.
ووفقًا لكافال، فإن ما يجعل هزيمة ميلوني مثيرة للاهتمام من الناحية الرمزية هو أنها جاءت على يد الدستور الإيطالي الذي أُعدّ بين عامَي 1946 و1948 بتوافق بين الكاثوليك والشيوعيين والاشتراكيين والليبراليين من المعسكر المناهض للفاشية، أي الأعداء التاريخيين للعائلة السياسية التي تنتمي إليها ميلوني.
فالمادة الحادية عشرة من هذا الدستور ترفض صراحةً "الحرب وسيلةً لتقييد حرية الشعوب". والمفارقة أن ناخبين شبابًا، رفضتهم الأحزاب الكبرى طويلًا، هم من دافعوا عن هذا الدستور بأعداد لم تشهدها استفتاءات سابقة.
يرصد كافال فشلًا موازيًا: ميلوني رهنت جزءًا من نفوذها الدولي على علاقتها المتخيَّلة بدونالد ترامب، لكن ثمرة هذا الرهان لم تأتِ كما تصوّرت.
فقد تأثرت إيطاليا بالرسوم الجمركية الأمريكية مثل جيرانها تمامًا، كما أن حرب إيران التي أيّدها ترامب أرهقت اقتصادًا إيطاليًا هشًا أصلًا، بينما الأوروبيون الإيطاليون يكرهون ترامب كغيرهم من الأوروبيين، العلاقات المتميزة مع البيت الأبيض لم تُترجم إلى أي امتيازات فعلية.
ميلوني، التي دعمت في فرنسا ماريون ماريشال اليمينية المتطرفة، وعجزت عن بناء علاقة براغماتية مع باريس، تجد نفسها اليوم معزولة على الصعيد الأوروبي في لحظة تحتاج فيها إيطاليا إلى أكثر من الخطاب الأيديولوجي.
لكن الأخطر، في قراءة كافال، أن هذه الهزيمة لم تُفرز انتصارًا لليسار الإيطالي، بل لـ"أرخبيل" من منظمات المجتمع المدني والشخصيات المستقلة التي نظّمت الحملة ضد الإصلاح؛ معارضة لا تنتظر أن تقودها الأحزاب، بل أن تُسمَع.