في وقت تتصاعد فيه المخاوف الدولية من خطر ميليشيات الحوثي على حركة التجارة العالمية في البحر الأحمر، أنهت الأمم المتحدة في أواخر الشهر الماضي، مهمة بعثتها المكلّفة بدعم ومراقبة اتفاق الحديدة دون تجديد، في خطوة اعتبرها مراقبون "تحوّلًا في المقاربة الدولية تجاه الحوثيين وسيطرتهم على المناطق الساحلية".
وأعلنت الأمم المتحدة نقل مهام البعثة "أونمها" المسؤولة عن قيادة عمل لجنة تنسيق إعادة الانتشار ورصد الامتثال لوقف إطلاق النار في الحديدة والعمل على ضمان أمن موانئها، إلى مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن.
وعلى مدى 7 أعوام من عمل "أونمها" المُشكّلة بموجب اتفاق "ستوكهولم" الموقع بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية في نهاية العام 2018، أثارت البعثة الدولية الكثير من الجدل، إثر عجزها عن تنفيذ البنود الجوهرية من الاتفاق، التي تنص على انسحاب الميليشيات من الحديدة وموانئها الإستراتيجية، وسط اتهامات حكومية بتحولها إلى "كيان مشلول" غير قادر على أداء دوره الرقابي الفعّال تجاه خروقات الحوثيين المتواصلة لوقف إطلاق النار.
يأتي ذلك، في ظل الانخراط "الرمزي" لميليشيات الحوثي في معركة إسناد إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، واستعدادها لعودة تهديداتها للملاحة الدولية في البحر الأحمر، تزامنًا مع القيود التي تفرضها إيران على مضيق هرمز، خلال مراحل متقدمة من الصراع، وفق خبراء ومحللين.
ويرى خبير الشؤون الإستراتيجية والعسكرية، علي الذهب، أن إنهاء عمل البعثة الأممية في الحديدة يرتبط في جوهره باعتبارات تمويلية وإجرائية، غير أن جزءًا من مهام "أونمها" لم يُلغَ فعليًّا، بل جرى نقلها إلى مكتب المبعوث الأممي، خاصة ما يتصل بمتابعة وقف إطلاق النار ومنع تجدد المواجهات في المحافظة.
وقال الذهب لـ"إرم نيوز"، إن اتفاق الحديدة جاء في سياق دولي كانت تحكمه المخاوف من أن تؤدي المعارك إلى تعطيل نشاط الموانئ في المحافظة، وما قد يترتب على ذلك من تفاقم للأزمة الإنسانية في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.
لكنه أشار إلى اختلاف المعطيات الراهنة بشكل جذري، في ظل تصاعد التهديدات الأمنية المرتبطة بسيطرة الحوثيين على المدينة وموانئها، سواء من خلال هجمات الجماعة على السفن التجارية وممرات الملاحة الدولية، أو الأضرار التى استهدفت موانئ الحديدة نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية خلال العامين الماضيين؛ ما أدى إلى تراجع جاهزية هذه الموانئ وأدوارها الحيوية.
وأوضح الذهب، أن جماعة الحوثي تتجه حاليًّا لإعادة توظيف موقع الحديدة ضمن سياق أوسع من الانخراط في معركة "إسناد إيران"، وهو ما يعيد هذه المخاطر إلى الواجهة.
مضيفًا أن تمكين الحكومة من بسط سيطرتها على الحديدة وموانئها هو الخيار المحوري للحدّ من هذه التهديدات، ليس فقط من زاوية تأمين الملاحة الدولية وتفادي أضرار البُنى التحتية اليمنية، بل أيضًا لقطع خطوط الإمداد التي تتيح تدفّق الأسلحة والتقنيات العسكرية إلى الحوثيين.
بدوره، قال المحلل العسكري، العقيد محسن الخضر، إن قرار مجلس الأمن لإنهاء مهمة "أونمها" الذي جاء بأغلبية 13 صوتًا وامتناع روسيا والصين عن التصويت، معبّر عن تشدد موقف الولايات المتحدة والغرب تجاه الحوثيين المصنفين على قوائم الإرهاب أمريكيًّا، بسبب امتداد تهديداتهم إلى العالم.
وذكر في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن الإجراء يرفع المظلة الدولية التي كانت تحيط بالحديدة منذ العام 2019؛ ما وفّر للمدينة وضعًا استثنائيًّا بوصفها منطقة خاضعة لتفاهمات أممية، وبالتالي تدخل المدينة الآن وضعًا جديدًا يغيب فيه الضبط الدولي المباشر.
وأضاف أن ذلك قد يفتح الباب على مرحلة جديدة من التصعيد الميداني في الساحل الغربي، في ظل عودة الخطر الحوثي وتوسع بيئة التوترات الإقليمية بشكل غير مسبوق؛ ما يعزز احتمالات إعادة تشكيل موازين القوى على الساحل الغربي، واللجوء إلى خيارات أكثر حدّة.