الاتحاد الأوروبي: علينا الاستعداد لاضطرابات طويلة الأمد في الأسواق نتيجة لحرب إيران
قال القائد السابق للقوة الضاربة في الجيش اللبناني، طوني أبو سمرا، إن الجيش الإسرائيلي يتجه نحو تطبيق استراتيجية "المنطقة العازلة المتحركة" على طول الحدود الجنوبية مع لبنان، مستبدلًا تكتيكاته القديمة بهدف تحييد أي تهديدات مباشرة من حزب الله دون الانخراط في حرب برية.
وأضاف المسؤول السابق لفرع أمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ، في حوار مع "إرم نيوز"، أن إسرائيل تعتمد في هذا الأسلوب على دمج قدر من السيطرة على الأرض مع تثبيت مواقع دفاعية؛ ما يقلل الكلفة السياسية والعسكرية مقارنة بالأنماط السابقة.
وأشار إلى أن هذه الاستراتيجية لا تعني القضاء على حزب الله بشكل كامل، لكنها تضعفه بدرجة كبيرة، وتخلق أوراقاً تفاوضية للجانب الأقوى؛ ما يسهم في تثبيت الاستقرار الحدودي، وينهي الدور العسكري للحزب، مع بقاء دوره السياسي قائماً ضمن المشهد اللبناني.
وفيما يلي نص الحوار:
إن العملية الدفاعية الفعالة هي تلك التي تجمع بين المواقع الدفاعية الثابتة والعمليات الدفاعية المرنة. وفي حال سيطرة الجيش الإسرائيلي على المنطقة العازلة، يصبح من الضروري، لضمان الدفاع الناجح ومنع حزب الله من استخدام المنطقة لإطلاق تهديداته على شمال إسرائيل، وجود مواقع دفاعية ثابتة على الأطراف وداخل المنطقة، إلى جانب عمليات دفاعية متحركة.
ولا يُقصد هنا الدفاع المتحرك التقليدي المعروف بخطوط الدفاع المتدرجة في العمق لتوفير طبقات متعددة من الحماية، بل الدفاع المتحرك القائم على العمليات الخاصة، الذي يهدف إلى التعامل مع أي قدرات محتملة لحرب العصابات لدى حزب الله، أو مع جيوب داخل المنطقة العازلة. هذا المزيج بين الثبات والمرونة يضمن السيطرة على المنطقة ويحول دون إعادة تموضع المقاومة؛ ما يحقق دفاعاً استراتيجياً أكثر فاعلية.
يمكن القول إن إسرائيل تتبع نهجاً استراتيجياً يتجنب الانخراط في حروب برية واسعة النطاق، مع الحفاظ على القدرة على الحد من التهديدات المباشرة من حزب الله، وهو ما يمكن اعتباره أشبه بـ"احتلال مرن" غير معلن.
أحد المسارات النظرية لتحقيق هدف القضاء الكامل على حزب الله يتطلب اجتياحاً برياً واسعاً يشمل مناطق مثل سهل البقاع وسلسلة جبال لبنان الشرقية، بهدف تفكيك الترسانة الصاروخية وقدرات العمليات عبر الحدود. ورغم أن هذا السيناريو قد يؤدي نظرياً إلى نتيجة حاسمة، فإنه محفوف بمخاطر جسيمة نتيجة صعوبة التضاريس، والكثافة السكانية العالية، والكلفة البشرية والاقتصادية والسياسية. كما أن نجاحه مرتبط بعوامل إقليمية دقيقة، مثل موقف سوريا وإمكانية التنسيق معها، وهي أمور غير قابلة للتنبؤ بنتائجها.
النهج الأكثر واقعية، والذي يبدو أن إسرائيل تميل إليه، يركز على تحييد التهديدات المباشرة من حزب الله دون السعي إلى القضاء عليه بالكامل. في هذا الإطار، يمكن أن تتقدم القوات الإسرائيلية شمالاً حتى نهر الليطاني لإنشاء منطقة عازلة تقلل من قدرة الحزب على التسلل وتهديد الأراضي الإسرائيلية، مع فرض مراقبة دقيقة ومستدامة على الحدود.
ويُستكمل هذا النهج عادة بضربات جوية مركزة وفق عقيدة الضاحية الإسرائيلية، تستهدف البنية التحتية العسكرية لحزب الله في جنوبي لبنان وأجزاء من سهل البقاع. وبالمقارنة مع حرب شاملة، تُعد هذه العمليات محدودة زمنياً وتمتد لأشهر قليلة فقط، كما أنها أقل تكلفة على المستويين البشري والمادي؛ ما يجعلها خياراً أكثر واقعية من الناحيتين العسكرية والسياسية.
ومع ذلك، يحمل هذا الخيار قيوداً واضحة؛ إذ يتطلب تخصيص جزء كبير من القدرات الجوية نحو الجبهة اللبنانية؛ ما قد يقلل القدرة على التعامل مع ملفات استراتيجية أخرى، بما في ذلك تلك المرتبطة بإيران. كما أن هذه العمليات لا تقضي على حزب الله بالكامل، بل تضعفه مؤقتاً، مع استمرار دوره السياسي والعسكري في لبنان.
ورغم هذه القيود، يمكن أن يخلق هذا السيناريو فرصة لتسوية تفاوضية تُثبّت الاستقرار الحدودي، مع قبول ضمني باستمرار نفوذ الحزب داخل المشهد اللبناني، وهو ما يعكس توازناً دقيقاً بين الأمن الإسرائيلي والواقع السياسي المحلي.
باختصار، ما تفعله إسرائيل يشبه احتلالاً مرناً غير معلن، يحقق أهداف الحزام الأمني القديم من حيث الحد من التهديدات، لكنه يقلل الكلفة السياسية والعسكرية، ويعتمد على مزيج من السيطرة على الأرض، والرصد الدقيق، والضربات الجوية المكثفة، دون الانخراط في صراع بري شامل قد يكون غير مستدام.
لم تبادر إسرائيل إلى شن هجوم على حزب الله في بداية تصعيد الحرب الحالية، ولم تنفذ أي عمل وقائي مباشر ضد الحزب قبل اندلاع النزاع الإقليمي بين الولايات المتحدة وإيران.
في المقابل، كان حزب الله هو من دخل الحرب طوعاً عندما أطلق صواريخ وقذائف باتجاه إسرائيل من لبنان في 2 آذار/ مارس 2026، في أول هجوم مباشر منذ تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وقد اعتُبر ذلك بمثابة إعلان حرب من جانب الحزب، ورداً على التطورات الإقليمية، بما في ذلك الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.
وقع هذا الهجوم الصاروخي بعد يوم واحد فقط من بدء المواجهات العسكرية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. وقد تبنّى الحزب مسؤوليته عن هذه الضربات، مدعياً أنها "ردّ دفاعي" على ما وصفه بالعدوان، قبل أن تتوسع المواجهات وتتطور إلى تبادل واسع للضربات الجوية بين القوات الإسرائيلية ومواقع الحزب في جنوبي لبنان.

لا يقتصر الهدف الإسرائيلي في المنطقة العازلة على منع هجوم حزب الله فقط، بل يشمل أيضاً منع إعادة تشكّل البيئة الحاضنة له بالقرب من الحدود. فلا خيار أمام إسرائيل، إذا أرادت حماية شمالها من هجوم مشابه لهجوم 7 أكتوبر، سوى إنشاء منطقة عازلة تضمن السيطرة على الأرض وحرمان الحزب من أي وجود أو قدرات محتملة تمكّنه من التسلل أو شن هجمات مستقبلية.
بمعنى آخر، الهدف مزدوج: تقليص القدرة العملياتية المباشرة لحزب الله، وفي الوقت نفسه تفكيك أي قاعدة محلية أو بنية تحتية سياسية واجتماعية قد تسمح له بإعادة التموضع أو استعادة نشاطه في المنطقة الحدودية.
تخوض إسرائيل حالياً حرباً عالية الكثافة مع حزب الله، لكن على المدى الطويل، إذا قررت الحفاظ على منطقة عازلة وفشلت الجهود الدبلوماسية في وقف الأنشطة العسكرية بعد انتهاء الحرب، فقد تجد نفسها مضطرة إلى الانخراط في صراع منخفض الكثافة يستمر لسنوات.
بمعنى آخر، قد يتحول النمط طويل الأمد إلى حرب مستمرة لكنها محدودة الشدة، تهدف إلى الحفاظ على الأمن الحدودي ومنع حزب الله من استعادة قدراته في المنطقة العازلة، دون الدخول في مواجهة كبرى واسعة النطاق كما حدث في مراحل سابقة.