يبدو أن الدولة اللبنانية، وحتى حزب الله، باتا بعيدين عن ضبط قرار الحرب، في ظل معلومات متداولة في أوساط لبنانية تفيد بأن عمليات إطلاق الصواريخ الأخيرة باتجاه إسرائيل، ضمن ما يُعرف بعملية الإسناد لإيران في الحرب القائمة، نُفذت من الأراضي اللبنانية بواسطة الحرس الثوري الإيراني.
وتشير هذه المعلومات المتداولة في الأوساط اللبنانية إلى أن فصيلاً صغيراً، لكنه نافذ داخل الميليشيات اللبنانية ويخضع لنفوذ الحرس الثوري الإيراني، يقف وراء إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل.
ويأتي ذلك رغم تعهد حزب الله للرؤساء الثلاثة بعدم جرّ لبنان إلى الحرب، إلا أن فرض الأمر الواقع دفع التنظيم لاحقاً إلى تبني هذه العمليات، ما أدخل لبنان عملياً في معادلة الحرب.
ويحاول لبنان، بحسب خبراء، فتح قنوات تفاوض غير مباشرة مع إسرائيل عبر إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بهدف إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق سلام، وذلك بناءً على اقتراح طرحه الرئيس اللبناني جوزيف عون.
لكن العرض اللبناني، وفق ما قاله خبراء لـ"إرم نيوز"، قوبل برفض من واشنطن وتل أبيب، لكون مقترحه لا يضع نزع سلاح حزب الله كبند أول في أي اتفاق محتمل.
ويأتي ذلك في ظل تعهدات سابقة من الدولة اللبنانية بحصر سلاح الميليشيات بيدها، لكنها لم تتمكن من الإيفاء بهذه الالتزامات.
ويقول الخبير في الشأن اللبناني، الدكتور ميشال الشماعي، إن الدولة اللبنانية تحاول جاهدة اليوم استعادة قرار الحرب والسلم، بالمبادرة التي دعا إليها رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، بالدعوة إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية.
وأفاد الشماعي لـ"إرم نيوز"، أن هذه الدعوة استعيد بموجبها قرار السلم لكن يبقى قرار الحرب الذي هو رهن بإشارة من إيران لحزب الله والذي لا يمكن استعادته إلا عند تنفيذ الدولة قرارات الحكومة التي صدرت في 5 و7 أغسطس/آب من العام الماضي.
ومن أهم القرارات المطلوب تنفيذها وفق الشماعي، ما صدر عن الحكومة في جلسة 2 مارس/آذار الجاري، والتي تنص أن حزب الله منظمة محظورة أمنياً وعسكرياً لكن للأسف حتى الساعة فإن المؤسسات التنفيذية سواء الجيش والمؤسسات الأمنية والقضاء، لم ينفذوا القرار لاعتبارات معروفة.
وتكمن هذه الاعتبارات في أن الدولة العميقة مازالت حتى الساعة يقودها حزب الله وبالتالي لن تستطيع المؤسسات التنفيذية المضي في قرار الحكومة ومن هذا المنطلق يبقى قرار الحرب بيد التنظيم.
ويشير الشماعي إلى أن حزب الله أراد الانتقام لمقتل خامنئي من لبنان بإطلاق 6 صواريخ، فدمر الإسرائيلي جانبا من البنية التحتية بالداخل اللبناني، منها ما يخص حزب الله من جهة، ومناطق لبنانية اعتبرها الإسرائيلي مشروعة، لأنها تهدد أمنه من لبنان.
واستكمل أن أمام هذه الوقائع، لن يكون قرار الحرب بيد الحكومة اللبنانية إلا إذا أوعزت الأخيرة للأدوات التنفيذية بالسلطة الإجرائية أي الجيش والمؤسسات التابعة له والمؤسسات القضائية، بتنفيذ قرار الحكومة حتى لو اقتضى ذلك استعمال القوة.
وبدوره، اعتبر الباحث في الشأن اللبناني، عماد الشدياق، الدولة اللبنانية فاقدة القدرة على ضبط الحرب منذ سنوات طويلة وليس الآن.
ولكن الهدنة التي حصلت من تاريخ وقف إطلاق النار إلى اليوم أظهرت إلى حد ما أن الدولة تمسك بزمام الأمور لاسيما مع تجريد حزب الله من سلاحه في جنوب الليطاني.
ويرى الشدياق في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن الحرب على إيران أعادت لبنان إلى النقطة الأولى ليتبين أن حزب الله يمسك بقرار الحرب والسلم لاسيما أن إطلاق الصواريخ جرى بعد تطمينات للرؤساء الثلاثة، بأن التنظيم لن يتدخل ولكنه فجأة ذهب بالثأر للمرشد السابق علي خامنئي.
وتشير معلومات على حد قول الشدياق، مفادها أن إطلاق الصواريخ على إسرائيل ضمن معادلة الإسناد لإيران، جاء دون علم حزب الله ذاته، وأن الحرس الثوري الإيراني عبر فصيل صغير ولكنه مسيطر داخل التنظيم، هو من جعل الأخير يتبنى هذه العمليات لاحقا.
ويبدي الشدياق الأسف على عدم قدرة الدولة اللبنانية على فعل شيء تجاه هذا المشهد، في وقت يطرح رئيس الجمهورية مبادرة لوقف الأعمال العدائية ودعم الجيش ومساندته ونزع سلاح حزب الله ومفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ولكنها لاقت رفضا من واشنطن وتل أبيب.
ويعود الرفض كما يرى الشدياق لأن المطلوب نزع السلاح كبند أول، بينما الدولة غير قادرة على الإيفاء بذلك بعد أن تعهدت سابقاً والوقت نفد منها على مدى 15 شهرا، حتى أصبح المطروح دخول إسرائيل للقيام بذلك بنفسها.
ويظن البعض وفق الشدياق أن إسرائيل تهدد من أجل انتزاع تنازلات من السلطة اللبنانية لكن الأخيرة ليست صاحب القول الفصل في نزع سلاح حزب الله من عدمه، لاسيما أن المطلوب تدخل الجيش اللبناني للقيام بذلك، لكن الأخير يرفض.
وخلص الشدياق أن الجيش اللبناني يرفض ذلك خوفاً من انقسام بداخله على الرغم من أن ذلك مهمته، واستكمل: "أن كانت القوات المسلحة ستنقسم على هكذا عنوان رئيسي في البلد وملف بهذه الأهمية، فلا أسف على الجيش إن انقسم".