كشف مستشار أمني عراقي عن سبب تضخم أعداد السوريين من عناصر تنظيم داعش ضمن دفعات السجناء المنقولين من شمال شرقي سوريا إلى العراق، في وقت تثير فيه العملية تساؤلات بشأن المفارقة بين مطالبة بغداد للدول باستعادة رعاياها، مقابل استقبالها الآلاف من غير العراقيين على أراضيها من جهة، وبين ترك عناصر داعش العراقيين في سوريا في الوقت نفسه.
وأوضح المستشار العراقي، الذي طلب حجب اسمه، لـ"إرم نيوز"، أن "السر يرتبط بعامل الثقة الأمنية؛ إذ إن الولايات المتحدة منعت أي تدخل مباشر من قبل الحكومة السورية الجديدة في ملف السجناء، خصوصًا بعد مقتل ثلاثة قادة أمريكيين في بادية تدمر".
وبين المسؤول الأمني العراقي أن "هذه الحادثة دقت ناقوس الخطر بشأن هشاشة البنية الفكرية داخل بعض التشكيلات المنضوية في الجيش السوري".
وأضاف أن "المخاوف لا تتعلق فقط بالقدرة اللوجستية، بل أيضاً بوجود أنصار محتملين داخل بعض الوحدات العسكرية قد يسهّلون عمليات تهريب أو تواطؤ؛ ما يجعل إبقاء السجناء السوريين داخل سوريا مخاطرة كبيرة".
وأشار إلى أن "الانهيار الذي أصاب قسد في بعض مناطق حوض الفرات، وتفكك فصائل كانت خارج نطاق الجيش سابقًا، كلها عوامل عززت القناعة بأن البيئة الأمنية هناك غير مستقرة بما يكفي لاحتواء هذا الملف المعقد".
وبحسب بيانات وزارة العدل العراقية، فإن العدد الكلي للسجناء الذين تم نقلهم من سوريا بلغ 5703 أشخاص ينتمون إلى 61 دولة، بينهم 4253 عربيًا و983 أجنبيًا، فيما بلغ عدد العراقيين 467 فقط، مقابل 3543 سوريًا؛ ما يجعل السوريين الكتلة الأكبر ضمن المنقولين إلى السجون العراقية.
وتؤشر هذه الأرقام على تحول لافت مقارنة بتقديرات سابقة كانت تشير إلى وجود أكثر من ألفي عراقي محتجزين في سجون شمال شرقي سوريا، في وقت بدا فيه أن الأولوية في النقل ذهبت إلى فئات غير عراقية، وفي مقدمتها السوريون.
في عام 2023، أصدر قسم أبحاث الأمن القومي في مؤسسة راند الأمريكية تقريرًا أكد فيه وجود نحو ثلاثة آلاف عراقي من عناصر تنظيم داعش محتجزين في سجون شمال شرقي سوريا، ضمن ما يقارب عشرة آلاف مقاتل كانوا لدى قوات سوريا الديمقراطية آنذاك.
وأوضح التقرير أن هؤلاء العراقيين شكّلوا إحدى أكبر الكتل الوطنية داخل مراكز الاحتجاز، إلى جانب ما بين أربعة آلاف وخمسة آلاف من أصول سورية، فيما توزع الباقون على جنسيات متعددة.
وأشار التقرير إلى أن بطء عمليات إعادة السجناء إلى بلدانهم الأصلية، بما في ذلك العراق، أسهم في استمرار الاكتظاظ داخل السجون، معتبرًا أن هذا الواقع يمثل تحديًا أمنيًا قائمًا أمام الجهود الدولية الرامية إلى منع إعادة تشكّل التنظيم.
ورفض متحدث عسكري عراقي الحديث لـ"إرم نيوز" عن سبب إبقاء هذا العدد من العراقيين في السجون السورية، واكتفى بالقول: "ننتظر آخر التحديثات فيما يتعلق بأرقام المعتقلين الذين تسلمهم العراق".
بدوره، قال الباحث في الشأن الأمني حميد العبيدي إن "عدم تسلّم العراق جميع رعاياه من عناصر داعش دفعة واحدة لا يمكن تفسيره على أنه تخلٍّ عنهم، بل يرتبط بجملة تعقيدات قانونية وأمنية، في مقدمتها صعوبة التحقق من الهوية الحقيقية لكثير من المحتجزين الذين استخدموا أسماء حركية أو وثائق مزورة خلال فترة نشاطهم داخل التنظيم".
وأضاف العبيدي لـ"إرم نيوز"، أن "عملية المطابقة البيومترية والتدقيق في قواعد البيانات تحتاج إلى وقت وإجراءات مشتركة بين أكثر من جهة، خصوصًا أن بعض العراقيين متهمون بارتكاب جرائم على الأراضي السورية؛ ما يفرض استكمال مسارات تحقيق أولية قبل نقلهم إلى بغداد".
وأوضح أن "التحالف الدولي تعامل مع عملية النقل وفق أولويات أمنية عاجلة، فتم التركيز على تفريغ السجون من الفئات التي يُخشى من بقائها في بيئة محلية قد تسهل إعادة دمجها أو تهريبها، بينما وُضع العراقيون ضمن جدول استلام تدريجي يراعي قدرة المنظومة القضائية والسجنية العراقية على الاستيعاب دون إحداث ضغط مفاجئ".
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن سجن الكرخ المركزي جرى تأهيله لاستقبال المنقولين، مع تشكيل فريق أمني وفني برئاسة وكالة الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية لتولي التحقيقات، إلى جانب هيئة قضائية متخصصة لإعداد ملفات الدعاوى وتصنيف التهم وفق قانون مكافحة الإرهاب وقانون العقوبات العراقي، تمهيدًا لإحالتهم إلى المحاكم المختصة.
وتتراوح مدة التحقيقات، وفق المركز الوطني للتعاون القضائي، بين أربعة وستة أشهر، في وقت تتضمن فيه بعض الملفات اتهامات تتعلق باستخدام أسلحة كيميائية وجرائم إبادة.