وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ملف حزب الله وسلاحه، على رأس الملفات التي دخل بها البيت الأبيض في ولايته الثانية، ليس فقط من منطلق النهج السياسي للشرق الأوسط الذي أعلن عنه، بضرورة إنهاء زمن الميليشيات وأن تكون الدولة فوق الأذرع خاصة الإيرانية المنتشرة في المنطقة، ولكن لتثبيت نقاط الحفاظ على الأمن الإسرائيلي، بالقضاء على هذه الترسانة التي تهدد المستوطنات كافة وقادرة على الوصول إلى قلب تل أبيب من خلال منصات الصواريخ القادمة من إيران والتي يقف عليها كبار الخبراء المنتدبين من الحرس الثوري الإيراني.
ترامب وعدم تلبية احتياجات الجيش اللبناني
ولكن بالرغم من تقديم الرئيس الأمريكي في مناسبات عدة تأكيدات على دعمه للعهد الجديد في بيروت مع الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة الدكتور نواف سلام، فإن مقاربته دائما كانت تضع لبنان بين شقي الرحى، حيث حزب الله الذي يهدد سيادة الدولة، وصولا إلى السياسة التوسعية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تظهر أطماعه في نقاط استراتيجية مهمة لا يريد الخروج منها من جنوبي لبنان، يتمثل جانب منها في التلال الاستراتيجية الحدودية الخمس، الأمر الذي يعطي للميليشيا اللبنانية كل الذرائع لعدم تسليم السلاح للدولة.
وعلى أثر ذلك، مارس ترامب أقصى ضغط على لبنان بعدم تلبية الاحتياجات المتعلقة بالتزامات بدعم الجيش اللبناني حتى لمنع تهديد حزب الله بالسلاح في الداخل، وفي الوقت نفسه، أن يقطع عليه طريق الترويج لفكرة أن إمكانيات القوات المسلحة غير قادرة على صد أي هجوم إسرائيلي، والجانب الأهم هو حق اللبنانيين في الشعور بالأمان مع جيشهم الذي يستطيع منع أي تهديد داخلي أو خارجي عبر صفوف يجب أن تكون مليئة بالعناصر المدربة والمسلحة تحت لواء العلم، بجانب أن يكون الجيش خارج أي معادلة تتعلق بعدم توفير الاحتياجات المادية وفي صدارتها رواتب العاملين في الجيش في وقت تدنت فيه رواتب الضباط الكبار إلى حد كبير بسبب انخفاض قيمة الليرة على أثر الأزمة الاقتصادية بالبلاد.
سلاح حزب الله وسلطة الدولة
وتؤكد المتخصصة في العلاقات اللبنانية العربية والدولية، ثريا شاهين أن ملف حزب الله خلال السنة الأولى من تسلم ترامب الولاية الثانية، كان إحدى الأولويات المهمة له وضمن اهتمامه إعادة تسوية الوضع اللبناني، انطلاقا من بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وعلى سياستها الداخلية والخارجية، وأيضا وفق نظرته إلى دول المنطقة، التي لم يعد مسموحا من واشنطن، أن تحتل التنظيمات المسلحة الدول والحكومات وأن تستبيح مقدرات البلدان، وسط رغبة البيت الأبيض بإعادة تصويب الأمور وفرض سلطة الدولة على مرافقها وقراراتها.
واعتبرت شاهين في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن ملف سلاح حزب الله يقع ضمن دائرة رغبة واشنطن في بسط الحكومات سلطتها، ولا يزال مطروحا بالنسبة لتعامل الولايات المتحدة مع لبنان في ظل العمل على خطة نزع سلاح بقية التنظيمات في المنطقة، لاسيما أنها كانت بمثابة أذرع لإيران أو في منحى تنعته واشنطن بـ"الإرهابي" وتضعه على لائحة العقوبات لديها.
إسرائيل مستمرة في ضرباتها
وأشارت شاهين إلى أنه وفقا لاتفاق وقف إطلاق النار للحرب الإسرائيلية على حزب الله في 2024، فقد برز الاهتمام الكبير بنزع سلاح الحزب وحصر السلاح في لبنان بيد الدولة، لافتة إلى أنه وفقا لبيان قيادة الجيش اللبناني قبل نحو 10 أيام، قد جرى إنهاء عملية حصر السلاح في يد الدولة في جنوب الليطاني؛ ما يعني تنظيف هذه المنطقة من الترسانة غير الشرعية، وعلى الرغم من هذا البيان، لازالت إسرائيل تستهدف هذه البقعة الجغرافية وتعتبر أنها تضرب مخازن أسلحة للميليشيا.
وتابعت شاهين أن حصر السلاح بيد الدولة في جنوب الليطاني، كان أبرز نقاط الاتفاق؛ وهو ما يندرج ضمن سياسة ترامب في لبنان، لكن الآن هناك برنامج لنزع سلاح التنظيم في شمال الليطاني أي الذهاب إلى بقية المناطق اللبنانية، وقبل أن يسمى ذلك بنهج ترامب أو سياسته، فإن هذا الحصر ضمن توجه الحكومة الجديدة في لبنان، بعد انتخاب العماد جوزيف عون رئيسا للجمهورية قبل نحو عام، وفي كل الأحوال، فإن استكمال بسط سلطة الدولة على الأراضي كافة هي مهمة الحكومة وإن كانت ثمة صعوبات تطال نواحي دولية وإقليمية في ذلك.
ضوء أخضر لنتنياهو بالحرب
وشددت شاهين على ضرورة أن تلبي الدول الأجنبية وفي صدارتها الولايات المتحدة، دعمها بالمال والاحتياجات العسكرية للجيش اللبناني، حتى يستطيع استكمال خطة نزع السلاح والقيام بمهامه وفرض سلطة الدولة وحماية حدودها ومقدراتها، في وقت لا يعتبر فيه ملف حزب الله وسلاحه، موضوعا لبنانيا بحتا ولكنه في الوقت ذاته، تابع أيضا لأجندة إقليمية وكان على إدارة ترامب أن تجد لها حلا مع طهران ، وإلا يحمل لبنان فقط فاتورته وتبعاته السياسية والأمنية؛ ما جعل بيروت تراهن ضمنيا على تسويات كبيرة في المنطقة، لإتمام عملية نزع السلاح.
ومع بداية 2026، اتخذت إدارة ترامب موقفا متصاعدا تجاه نزع سلاح حزب الله في لبنان، رغبة منها في استكمال بقية المراحل ليكون حصر ترسانة الميليشيا بحسب اتفاق وقف إطلاق النار في كل عموم لبنان، ليعلن على أثر ذلك، الرئيس الجمهوري إبلاغه نتنياهو بأنه لن يقوم بتوقيف تل أبيب من العمل العسكري في لبنان، ما لم يتم نزع سلاح التنظيم بالكامل؛ الأمر الذي يعني إعطاء "ضوء أخضر" للإسرائيليين لشن حرب على لبنان.
عقوبات لخنق حزب الله ماليا
وتزامن ذلك مع ما صدر عن رفض الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، باستكمال خطة نزع السلاح والانتقال إلى منطقة شمال الليطاني، في وقت تدعي فيه الميليشيا أن حصر السلاح متعلق بمرحلة جنوب الليطاني فقط وأنها لن تقبل بأي خطط تستهدف بقية ترسانة التنظيم في مناطق أخرى بلبنان.
وحمل تعامل ترامب مع حزب الله، في عام 2025، أنواعا من الضغط الاقتصادي على ذراعه المالية التي تعتبر جهاز التنفس للتنظيم، وذلك ما بين فرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أفراد وكيانات متورطة في تحويل أموال إيرانية إلى الميليشيا تقدر بعشرات الملايين من الدولارات، وفي الوقت نفسه، وضع مسؤولون أمريكيون أمام الحكومة اللبنانية، طرقا تلجأ إليها قيادات بالحزب، لتهريب أموال في مرات عدة عبر شركات تأخذ وجهات غير التي عليها، فضلا عن ما كان يستخدم من جانب عاملين في مطار بيروت، لإدخال مبالغ كبيرة لتلبية الاحتياجات العسكرية للميليشيا، وذلك حتى تقوم السلطات بغلق هذه الثغرات التي يتسلل منها المال للتنظيم.