في وسط مدينة بنغازي يحمل الشاب علي، وهو عضو في فرقة موسيقية، "الغيطة"، وهي عبارة عن آلة نفخ خشبية تتألف من أنبوب أسطواني بسبعة ثقوب وتنتهي بطرف مخروطي، من أجل اللحاق برفاقه في فرقة الغيطة المحلية.

وقال لـ "إرم نيوز" إن "الغيطة هي موسيقى بمثابة هارد روك محلي نشأ مع قدوم الأفارقة إلى البلاد قبل عقود وظلت محفورة في الذاكرة الوطنية".
وعلى الرغم من اختلاف الآلات الموسيقية المستخدمة بينهما إلا أن كثيرين يرون أن الغيطة متشابهة إلى حدّ كبير مع الهارد روك الأمريكي.
ويرى علي أن " الغيطة، هي بالفعل قريبة جداً من الهارد روك، خاصة فيما يتعلق بالعنف الذي يحدثانه من خلال تأثير صوتي وجسدي كبير".
وبيّن أنه "بالنسبة لنا نستخدم آلات، مثل: الغيطة، والطبلة، والدف، ومعهم تصفيق كبير من أجل التأثير في الجمهور، وهو ما يجعل الغيطة والهارد روك متشابهين".
وحول ظروف نشأة الغيطة يرى الكاتب والباحث في الشأن الثقافي الليبي، علي بن جابر، أن "روايات محبي الغيطة من الباحثين في التراث تشير إلى أنها ظهرت في بنغازي منذ بدايات القرن العشرين، وارتبط ظهورها بالأحياء الشعبية، مثل: الصابري، وسيدي حسين، وأخريبيش، والبركة".
وتابع بن جابر في تصريح خاص لـ "إرم نيوز" بقوله إنه: "موسيقياً أو لحنياً تأثرت الغيطة في نشأتها بالإيقاعات الأفريقية التي جاءت مع مجموعات استقرت في المدينة قرب الميناء، فكان الامتزاج بين الإيقاع الأفريقي والبيئة المحلية لتنتج النمط الموسيقي الغيطة بطابع ليبي واضح، خاصة في مدينة بنغازي، ومدينة أجدابيا، والمدن القريبة منهما".
وشدد على أن "الغيطة تعتمد على أدوات بسيطة أبرزها الطبل والدف والتصفيق الجماعي، وتؤدى في الأزقة والساحات، حيث يجتمع الشباب حول الإيقاع مرددين الأهازيج التي تتناسب مع طبيعة المناسبة التي يحتفلون بها".
ولفت بن جابر إلى أن "الغيطة ارتبطت أساسًا بالأعراس، إذ كانت جزءًا من زفّة العريس وطقوس الاحتفال التي ترافقها حيث يتحول الشارع إلى مساحة احتفالية، تتقدمها الطبول ويتحلق حولها المشاركون في حلقات متتابعة من التصفيق والحركة الجماعية".
ومضى المتحدث ذاته قائلاً إن "هذا الطابع الجماعي جعل الغيطة أكثر من مجرد لون موسيقي، فهي طقس اجتماعي يعكس روح المشاركة والتضامن داخل المجتمع الشعبي، حيث لا يقتصر الأداء على المغني أو العازف، بل يشترك فيه الحضور بالترديد والتصفيق".
ويعتقد أن "انتشار أجهزة التسجيل المسموع ثم المرئي في العقود الأخيرة ساعد على توسيع حضور الغيطة خارج إطارها المحلي، لتصبح معروفة في مدن ليبية أخرى".
وأكد بن جابر أن "أهمية الغيطة لا تكمن في كونها لونًا من الغناء الشعبي فحسب، بل في كونها شاهدًا على تاريخ اجتماعي وثقافي لمدينة عرفت بتنوعها وتفاعلها مع محيطها، فالإيقاع الذي كان يُسمع في أزقة الأحياء القديمة ما زال حتى اليوم حاضرًا في الأعراس والاحتفالات، محافظًا على دوره في التعبير عن الفرح الجماعي".
وختم قائلاً إن "الغيطة في بنغازي هي إيقاع للذاكرة الشعبية، وفنٌّ يجسد روح المدينة التي استطاعت عبر الزمن أن تحول تأثيرات متعددة إلى هوية ثقافية خاصة بها، وأعتقد أن انتشارها خارجياً هو ممكن في ظل ما توفره المنصات، حالياً، من سهولة التواصل، خاصة أن موسيقى الغيطة يمكن أن تنفذ في أي مجموعة تعتمد الموسيقى الشعبية في أفراحها".