شهدت مدينة السماوة العراقية، الذكرى الثامنة لافتتاح "البيت التراثي" الذي خصصه صاحبه منذ أعوام ليكون متحفاً يعكس روح وطبيعة المدينة الجنوبية التي خلّدتها أغانٍ بارزة وأفلام سينمائية أعدها أبناؤها الذين يؤكدون دائماً حبهم وارتباطهم بهذه المدينة العريقة.
وأقيمت أمسية ثقافية وفنية في البيت، شارك فيها عدد من الأدباء والفنانين بحضور راعي ومؤسس البيت عبداللطيف الجبلاوي الذي حوّل هذا المنزل العائلي إلى متحف تراثي ومركز للثقافة والفنون في السماوة.
وتبلغ مساحة البيت الذي أسس قبل قرن من الزمن 196 متراً مربعاً، وهو مؤلف من 13 غرفة، تم ترميمه مع الحفاظ على ملامحه وتفاصيله التراثية، ليصبح صرحاً ثقافياً يجسّد جنوب العراق، وقبلةً سياحية يقصدها محبو التراث والفلكلور.
وتحظى مدينة السماوة إلى جانب احتوائها على هذا المنزل الذي يستقبل فعاليات فنية وثقافية وتراثية، باهتمام فني وأدبي لافت منذ القدم، وأصبحت أيقونة حاضرة في كثير من النصوص الشعرية والأفلام الوثائقية.

وتغنّى الكثير من الشعراء والفنانين بهذه المدينة التي أنجبت كوكبة من الأدباء والمثقفين، ومن أبرز الأغاني التي حققت شهرة واسعة، أغنية "نخل السماوة" التي غنّاها الفنان حسين نعمة.
وغنّى نعمة "نخل السماوة" الشهيرة في بداياته الفنية، لتصبح علامة فارقة في مسيرته، وتتحول إلى أيقونة فنية تراثية انتشرت بشكل واسع في كافة مناطق العراق.
وصدرت الأغنية الشهيرة في سبعينيات القرن الماضي، حيث لحنها الفنان بنفسه، وكتب كلماتها الشاعر ناظم السماوي، وحرصت فرق تراثية وفنانون شباب على إعادة إحيائها، ومنهم حسام الرسام وأصيل هميم.

وبالإضافة إلى هذه الأغنية، فقد خلّدت عشرات الأفلام الوثائقية مدينة السماوة، ومن بينها أفلام للمخرج هادي ماهود، ابن مدينة السماوة الذي تغرّب عن بلده سنوات طويلة، وظل الحنين إلى هذه المدينة يرافقه، حتى عاد إليها بعد إسقاط نظام الرئيس الراحل صدام حسين عام 2003 من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.
ويقول ماهود في حديث خاص له مع "إرم نيوز": "إن السماوة مدينة وادعة، يتجلى في نسيجها الاجتماعي تجانسٌ يؤكد التعددية الثقافية التي تميز العراق، وقد أنجزتُ بعد عودتي فيها وعنها عشرات الأفلام الوثائقية التي وثّقت العراق في هذا الزمن الاستثنائي".
ومن أبرز أفلامه التي أخرجها (روح السماوة) الذي يتحدث عن "البيت التراثي"، وحصد العديد من الجوائز في مهرجانات دولية، وكان محاولةً لتوثيق الذاكرة المكانية وصون روح السماوة من التلاشي.
ويتحدث ماهود عن مدينته بشغف، ويقول "إن لمدينة السماوة جذورا تاريخية، وقد اختارها الشاعر المتنبي مكاناً لمدينته الفاضلة التي سعى إليها ولم يبلغها وقال عنها تركنا من وراء العيس نجدا ... ونكبنا السماوة والعراقا".
وأكد المخرج العراقي "أن الكثير من الشعراء تغنّوا بمدينة السماوة، ومنهم الشاعر سعدي يوسف، الذي مرّ بها وهو في طريقه إلى سجن نقرة السلمان، وكتب: توهّمْتُ نخلَ السماوةِ ، نخلَ السماواتِ حتى حسِبـْتُكِ عاشقةً ، فانتظرتُ النهارَ الذي يَطْـلُـعُ النجمُ فيهِ".
وكذلك الشاعر ناظم السماوي الذي كتب عشرات القصائد، ومن أشهرها قصيدته التي يقول فيها: "ودّعت السماوةَ بليل زتني الشوق والحسرة، وأسولف لا صديج وياي بس جدمي النقل صبره".
وأضاف "بأن أزقة السماوة القديمة على ضفتي السوق المسقوف الشرقي والغربي تُفصح عن روح المدينة وأهاليها الطيبين، غير أن الحداثة زحفت لتطيح بهذه الأمكنة التراثية؛ فهُدمت بيوتٌ عريقة ليُعاد بناؤها على هيئة علبٍ إسمنتية بلا روح، أو هجرها سكانها فتحولت إلى أطلالٍ آيلة للسقوط".
وتقع مدينة السماوة جنوب العراق، على ضفاف نهر الفرات، وهي مركز محافظة المثنى، وتشتهر بعدة معالم ومنها السوق المسقوف وبحيرة ساوة، وأشجار النخيل التي تنتشر بكثافة بمزارع تُحيط بالمدينة.