في صباح 21 آذار/مارس من كل عام، تزخر المناطق الكردية بألوان الأخضر والأحمر والأصفر والأبيض، وتعلو الأهازيج، ويرقص الكرد بأزيائهم الربيعية المزركشة، في "عيد نوروز" أو (اليوم الجديد) باللغة الكردية..
ففي ليلة 20 آذار، يوقد الكرد شعلة نوروز، إيذاناً بانطلاق عيدهم القومي في اليوم التالي؛ ولكن هذه الشعلة لا تُضيء الفرح وحده، بل تثير جدلاً هوياتياً متجدداً كل عام بين الكرد والفرس حول أسئلة وجودية من قبيل: لمَن عيد نوروز فعلاً؟ هل الكرد أحقّ به أم الإيرانيون؟ وماذا تقول المصادر التاريخية؟

نوروز أو "نيروز" عيد قديم يعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، نشأ في رحم الديانة الزرادشتية، ويُحتفل به عند الاعتدال الربيعي في 21 مارس، وفقاً للأمم المتحدة؛ ففي عام 2009، أدرجت "اليونسكو" العيد على قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، باسم تسع دول مشتركة في مقدمتها إيران، كاعتراف ضمني بأن نوروز ليس حكراً على أحد.
ومع أن الكرد والفرس يشتركون في توقيت الاحتفال به، إلا أنه يختلف في معناه جذرياً بينهما؛ فهو عند الفرس عيد ثقافي للتجدد والربيع تتمحور طقوسه حول مائدة "هفت سين" العائلية، بينما يحمل عند الكرد بُعداً سياسياً وقومياً عميقاً، إذ يرتبط بأسطورة "كاوا الحداد" المنتصر على الظلم، ويجسد تطلعهم إلى "كردستان مستقلة".

وكاوا رجل كردي بسيط فقد أبناءه على يد الملك الآشوري الظالم "الضحاك"، فحمل فأسه وتوجه إلى القصر ليقتل الطاغية الذي استفحل في ظلمه، فنصحه طبيبه بشرب دماء شابين كرديين كل يوم، ما دعا كاوا لقتل "الضحاك" وأشعل النار على قمة الجبل وفاءً بوعده لشعبه، كبداية لحكم جديد للميديين وخير قادم وربيع مزهر، بحسب "المعهد الكردي للسلام".
تقول دائرة المعارف الإيرانية إن كاوا الحداد بطل أسطوري إيراني ثار على الطاغية الضحاك بعد أن أراد أعوانه ذبح ابنه، فمزق وثيقة إعلان عدالة الملك ورفع رايته الشهيرة "درفش كاويان" التي أصبحت رمزاً وطنياً لإيران.

وتتعدد المصادر التي تناولت شخصية كاوا؛ فدائرة المعارف الإيرانية وصفته وصفاً تفصيلياً، فيما حلّل باحثون شخصيته بمنهج ماكس فيبر باعتباره رمزاً للعدالة ضد كل سلطة. أما في الأساطير الكردية فيُعدّ رمزاً للهوية القومية، وثمة من يربط أصل كلمة "كُرد" بمعنى حدّاد في اللغات الإيرانية القديمة.
يعود نوروز إلى ذلك اليوم الفارق من عام 612 قبل الميلاد، حين سقطت نينوى، عاصمة الإمبراطورية الآشورية أمام تحالف الميديين والبابليين، لتندلع النيران فرحاً بالتحرر من ظلم امتد قروناً، بحسب كتاب (سفر ناحوم).
وثمة اعتقاد بأن الميديين (الآريين) هم أحد الجذور التاريخية للشعب الكردي، تعززه إشارات في الثقافة والنشيد الوطني الكردي، بالإضافة إلى توثيق المؤرخ الكردي محمد أمين زكي (1880-1948) في كتابه (خلاصة تاريخ الكرد وكردستان) الذي ذكر أن الميديين شكلوا جزءاً رئيساً من الأمة الكردية، ناقلاً عن كتاب السير ولسن (ميزوبوتامى) تأكيده أن "الأكراد أحفاد الميديين".
بينما تستند الرواية الإيرانية إلى أسطورة الملك "جمشيد" وإلى النصوص الزرادشتية والأخمينية، التي تعتبر نوروز تجسيداً لقيم النور والتجديد في الفلسفة الفارسية القديمة.
تاريخياً، يؤكد كتاب "الشاهنامة" للفردوسي في (عام 1010م) أن النوروز عيد إيراني فارسي، وتنسب أصله للملك الأسطوري جمشيد؛ حيث تروي الملحمة أن جمشيد صنع عرشاً مرصعاً بالجواهر وحمله الجن إلى السماء؛ وعندما سطعت عليه الشمس، أشرق كالنور، فاحتفل الناس بهذا "اليوم الجديد".

ورغم أن الفردوسي يقدم كاوا كبطل إيراني وفريدون كملك إيراني، إلا أن الوجدان الكردي اتخذ من هذه الحادثة رمزاً قومياً للتحرر، بحسب دائرة المعارف الإيرانية.
وعيد النوروز، حسب الفردروسي، احتفل به لأول مرة الشعب الكردي، قائلاً إن "الجموع التي أنقذها الوزير الطيب للضحاك ودفع بها إلى الجبل شكلت نواة الشعب الكردي، وهذا الشعب هو الذي قضى فيما بعد على الملك الظالم.
بينما ورد أهم توثيق تاريخي كردي لنوروز يرد في كتاب "شرفنامة" (1597م) للأمير شرف خان البدليسي، وذكر فيه احتفال الكرد بنوروز كعيد قومي عظيم، قبل أن تُوجد الدول الحديثة وتعيد رسم الحدود.
وفي مطلع القرن السابع عشر، جاء الشاعر الكردي أحمد خاني مرسخاً المعنى في التراجيدية الكردية الشهيرة "مم وزين"، واصفاً خروج الكرد بجميع فئاتهم وأعمارهم للاحتفال بنوروز في الطبيعة.

ويقول محمد أمين زكي في (خلاصة تاريخ كورد وكوردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن)، في عام 1931، نقلاً عن موريه سنة 1812 في رحلته الثانية (Secund Journey)، بأنه في كل سنة كانت تقام حفلات شعبية كبيرة، بمناسبة خلاص إيران من ظلم ضحاك (بيورآسب) السفاك ولا يزال يطلق على هذا المهرجان اسم (جژن كردي) أي العيد الكردي.
ويضيف زكي نقلاً عن المؤرخ الألماني فون هامر، إن رواية (العيد الكردي) صفحة تاريخية مجيدة للشعب الكردي. كما يذكر زكي في كتابه المذكور، نقلاً عن الدكتور فريج في كتابه (كوردلر - الكورد)، أن العيد الكردي علامة على السرور والابتهاج بالخلاص من ظلم الضحاك.
جوهر الاختلاف بين الكرد والفرس رصدته دراسة أكاديمية مقارنة بعنوان "Newroz from Kurdish and Persian Perspectives: A Comparative Study" للباحث هيوا سلام خالد، في جامعة كوية بإقليم كردستان العراق، خلصت إلى أن نوروز يُحتفل به بداية الربيع كحدث تاريخي عريق لدى الجماعات العرقية الآرية، كالكرد والفرس والأفغان والأذريين والطاجيك والبلوش.
وتشير نتائج دراسة هيوا خالد إلى اختلافات عديدة في الاحتفال بعيد نوروز؛ فبالنسبة للأكراد، الذين يُعتبرون أمة بلا دولة، يُعد نوروز رمزاً للمقاومة إلى جانب خلفيته الثقافية، بينما هو بالنسبة للفرس عيد ثقافي بحت. ومع أنه يمثل بداية السنة الكردية والفارسية الجديدة، إلا أن تقاويمهم وأساطيرهم وطريقة احتفالهم بها وفهمهم لأصلها تختلف، بحسب خالد.
ويرفض مؤرخون مصطلح "السرقة الثقافية"، منهم البروفيسور مهرداد (مايكل) إيزادي، مؤلف "A concise handbook.. The Kurds"، بقوله إن "الحضارات المتجاورة تتشارك الموروث الثقافي بطبيعتها.. نوروز نشأ في منطقة تداخلت فيها الشعوب الإيرانية بمفهومها الجغرافي الواسع الذي يشمل الكرد والفرس معاً". ويقول إن نوروز أهم الأعياد الوطنية الكردية، ويُحتفل به في أول أيام الربيع. بالنسبة للأكراد، يُمثّل نوروز أكثر بكثير من مجرّد احتفال برأس السنة.
وبحسب كتاب إيزادي، يُعرّف نوروز بأنه أهم الأعياد الوطنية الكردية؛ إذ يرمز إلى الهوية والصمود، وليس فقط إلى الاعتدال الربيعي. ويدمج هذا التقليد أسطورة كاوا الحداد، الذي أطاح بالطاغية (زهاك/الضحاك)، مُستخدماً الاحتفال كرمز للمقاومة السياسية وحق تقرير المصير.
وتدرس أطروحة بعنوان "نوروز.. دراسة أنثروبولوجية لطقوس الانتماء"، للباحث ديفران شاهين من جامعة لوند السويدية، كيف يُسهم الاحتفال بنوروز في الحفاظ على الهوية الكردية في الشتات، مؤكداً أن نوروز تحوّل عند الكرد من مجرد عيد موسمي إلى فعل هوياتي مقاوم، يجسد النضال ضد الاضطهاد التاريخي، مشيراً إلى أن نوروز عيد إيراني قديم يُحتفل به سنوياً عند الاعتدال الربيعي بداية للسنة الجديدة، منتشر في منطقة تمتد من غرب آسيا إلى وسطها.

وما يجعل نوروز مختلفاً عند الكرد، يعود لكونهم أمة يتجاوز عددها أكثر من 40 مليون نسمة، ولم يحظوا بحق تقرير المصير، رغم توافر جميع مقومات الدولة لديهم من جغرافيا ولغة وتاريخ، ما حوّل نوروز من طقس موسمي إلى فعل هوياتي مقاوم، يعبّر عن الوجود والاستمرار في مواجهة سياسات الإقصاء، كما يرى كتاب Kurdistan on the Global Stage لديانا كينغ.
يشير خبراء إلى ما يعتبرونها "دلالة رقمية" لا يغفلها الكرد في هذا الجدل؛ فعام 2026 الميلادي يُقابل العام 2638 في التقويم الكردي، كون هذا التقويم يسبق الميلادي بـ612 عاماً، في إشارة إلى تاريخ سقوط نينوى وانطلاق الاحتفال. بينما يعتمد الإيرانيون التقويم الهجري الشمسي، فيكون عام 2026 مقابلاً للعام 1404.
وهذا الفارق الرقمي يوظفه الكرد دليلاً رمزياً على أسبقيتهم في الاحتفال بنوروز، وإن كان المؤرخون يحذرون من الاستناد إلى أنظمة التقويم وحدها لحسم النزاعات التاريخية.
كما أن الاعتراض الكردي لا يقتصر على الأصل التاريخي لنوروز، بل يمتد إلى ما يصفه الكرد بـ"الهيمنة الفارسية على الرواية"، إذ تقدم إيران رسمياً نوروز باعتباره إرثاً فارسياً بامتياز، في حين يرى الكرد أنهم أحفظ الشعوب لتقاليده الأصيلة وأكثرها تمسكاً بطقوسه الأولى.
يحتفل الكرد بعيد "نوروز” Newroz في مناطق وجودهم كافة وهي: سوريا والعراق وإيران وتركيا وغيرها من دول العالم، رافعين صور الزعماء الكرد، مثل عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني وجلال الطالباني، وكذلك الأعلام الكردية.

وكان ثمن الاحتفال بنوروز دموياً وباهظاً جداً في مراحل مختلفة؛ ففي سوريا نفذ نظام البعث "مشروع الحزام العربي" الذي حظر نوروز، واصفاً إياه بـ"عيد قديم جداً ترمز تقاليده إلى النصر وتحرير الوطن من الأعداء"، قبل أن يصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم (13) الخاص بحقوق الكرد السوريين، والذي عدّ "النوروز" عطلة رسمية بصفته عيداً وطنياً يعبر عن الربيع والتآخي.
وفي العراق، حظر نظام صدام حسين الاحتفال به عقوداً. وكذلك تركيا التي فرضت عليه قيودا صارمة حتى تسعينيات القرن الماضي.
الأمر يتكرر في إيران التي لطالما اعتمدت سياسة الإعدامات ضد الكرد، بحسب منظمات حقوقية، حيث يواجه الكرد تضييقاً متكرراً رغم أن الدولة تحتفل بنوروز رسمياً باعتباره "إرثاً فارسياً"، ما حوّل العيد إلى "عرس دم"، تيمناً بالعمل المسرحي الشهير للشاعر الإسباني فديريكوغارثيا لوركا.
يمكن القول إن الثقافة الكردية بمعناها العام تجلت في أبهى صورها، إذا تم اعتبار عيد نوروز من أهم الفعاليات والطقوس الثقافية التي يحتفل بها الكرد كعيد وطني ومناسبة ثقافية أنهت حكم الاستبداد.
هذه القصة وغيرها مهّدت لظهور فنون كردية في أجزاء كردستان، وانتشرت الفنون، كالموسيقى والغناء والمسرح والرقص وإحياء التراث من جهة، وتطورت الرواية والقصة والسينما والفلكلور والتشكيل والأزياء والكاريكاتور من جهة أخرى.